هوس المرأة بالجمال سببه الأول هو الرجل
هوس الكثير من النساء بموضوع الجمال، وتزايد عدد الباحثات عن تفاصيل وجه، وقوام، وأزياء يشابهن بها الفنانات العربيات والعالميات، ظاهرة لم تأت من فراغ. فالواقع يثبت أن للجمال الشكلي سوقه المزدهرة، وجحافل من الزبائن المخلصين.
يافطات كبرى باتت تغزو شوارع المدن، وعروض مغرية تتصدر المواقع الإلكترونية، يعلن فيها الجرّاحون وأخصائيو التجميل قدراتهم السحرية على تحويل أيّ إمرأة إلى ملكة جمال. مؤكّدين أنّ ” حسن المظهر ” حقّ من حقوق كلّ إمرأة. وعن ذلك تقول الدكتورة رحاب عبد السلام ( أخصائية تجميل الجلد والجراحة بالليزر ) ” الزينة والجمال حق من حقوق كل إمرأة، خاصة وأننا في عصر الجمال الذي بات فرعا علميا مستقلا بذاته، تجنّد له المخابر والتجهيزات بتقنيات متطورة جدا “.
وإن كان هناك من يعارض استفحال هذه الظاهرة، ويعتبرها ضرب من الإسفاف، ودليل على الفراغ الروحي والانحطاط الفكري، فطالبات الجمال لهنّ ما يبررن به إقبالهن المتزايد على ذلك.
جواهر الشروق كانت لها وقفة مع الظاهرة من خلال رصدها لبعض الشهادات من عمق المجتمع.
عطّار العصر يصلح ما أفسده الزمن
منذ قرون خلت تهكم الشاعر من زوجته العجوز، التي تتردّد على عطّار لتقتني منه عقاقيرا طمعا في إعادة شبابها، وتساءل بتهكم إن كان ذلك العطار قادرا فعلا على تحقيق مرادها، ولم يخطر على بال الشاعر – ولو خيالا- أنّ عطارا سيأتي من زمن آخر باستطاعته أن يتحدى معول الزمن و يصلح ما أفسده. نعم لقد أصبح بإمكان المرأة أن تتخلص من التجاعيد والترهّلات والشيب، وتعود سنوات إلى الوراء حتى لو كلّفها ذلك مبالغ طائلة، وكل شيء يهون إذا كان الهدف ” قلب الرجل “.
ياسمينة أو “سمونة ” كما يناديها أهلها ومعارفها ( أستاذة انجليزية ) تشارف على الخمسين من عمرها لكنّها مازالت تبدو شابة في بداية الثلاثينات، لأنها أعدّت ترسانتها وبرنامجها المبكر لمحاربة الشيخوخة، وأصبحت منذ سنوات لا تفوت مواعيدها بين صالونات التجميل وقاعات الرياضة، وتبرر ذلك بأن زوجها يشتغل في وسط يعج بالجنس اللطيف، لذلك تعمل جاهدة على أن لا تزيغ عيناه لغيرها.
أحبّ الجميلات
هي عبارة لم ينفثها لسان شاب شوارعي، إنما هي منطق أحد المحسوبين على النخبة المثقفة برتبة أستاذ جامعي، فرغم مرور تسع سنوات، مازال صداها يتردد في ذاكرة نورا، وألمها يحزّ في نفسها. ففي ذات يوم وقف أستاذ الإحصاء مبتسما ابتسامة الكبر ولم يتورّع عن القول ” أنا أعشق الجمال، وأحب الجميلات ” وكان هذا الكلام حسب ” نورا ” إيعازا منه لها هي وزميلتها يقصد به ” أنهما ليستا جميلتين، وغير معنيتان بحبه، وبالتالي غير معنيتان بسخائه في رفع العلامة ” وقال ذلك ردّا على احتجاجهما على تحيّزه في وضع العلامات الجيدة لطالبات لا يشهد لهن بالاجتهاد. بقدر ما يعرف عنهن الحسن، والاهتمام المبالغ بأناقة المظهر.
تقول نورا أن تلك العبارة كان لها أثرا عميقا في نفس زميلتها، دفعها إلى خلع عهد الحياء الذي كان يزين محيّاها الطبيعي البريء. واستبداله بعهد جديد مع المساحيق والألوان، ثم بدأت تختزل من قياس لباسها، وتستبدل الفضفاض بالضيق. حتى حازت على تأشيرة الدخول لمملكة الجميلات اللواتي يحققن رغباتهن بسلاح الأنوثة والجمال.
هنّ المرغوبات
لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوجه عبارة ” تربت يداك ” للرجال في زمنه لولا اعتراضه عن مآثرتهم لذوات الحسب والنسب والمال والجمال على ذوات الدين، ورغم أن الحديث معروف ومازال يردّده الخاص والعام في عصرنا، إلا أنّ المؤمنين به فعليا قلّة، فأقوال الكثير من الرجال تتهاوى في واقعهم، ويثبتون أن للجمال سلطان تخرس أمام جبروته ألسنهم التي اعتادت على إلقاء المحاضرات في القيم و الأخلاق. وهذا ما تراه فتاة تشرف على عامها 37 ولم تتزوج بعد، تقول غاضبة : ” لم أتزوج لأنني لست جميلة في نظر المجتمع، وربما لست أنثى في نظر الرجال لأنني لا أتّبع الموضة في لباسي ولا أضع مساحيق التجميل، ولا أسير في الشوارع متمايلة مقهقهة ” وتضيف الفتاة : ” لا أثق في أي رجل يتباكى على الأخلاق، لأنّه في النهاية لو خُيّر بين الزواج من فتاة خلوقة غير جميلة، وأخرى جميلة وليست خلوقة لاختار الثانية دون تردد.. الحمد لله على كل حال وجعل الله حظنا في الحياة الأخرى، أما في الدنيا فالجميلات هنّ المرغوبات “
وتشاطرها أخرى الرأي بقولها : ” والدتي التي كانت دائما تؤمن بالقدر والنصيب، وتمقت البنات اللواتي يضعن مساحيق التجميل ويلبسن السراويل ويكثرن من التجوال خارج بيوتهن، زعزع الواقع قناعتها بمجرد أن رأتني بلغت الثلاثين من عمري ولم يطرق أحد بابي، وكنت أقرأ الحزن في وجهها بسبب ذلك، وأصبحت من حين لأخر ترمي لي كلمات عتاب، لماذا لا تخرجين من البيت ؟ لماذا لا تلبسين أنت أيضا مثل بنات جيلك، وتضعين ” الماكياج ” وتخرجين فمن يفعلن ذلك كلهن تزوجن “
مطلب فطري
” الرجل ليس محورا تدور حوله كل حياة المرأة وأهدافها، فلا يعتقد الرجال أن كل النساء يتجملن من أجل إرضائهم، أو لفت أنظارهم، فالزينة مطلب فطري في الإنسان، وفي المرأة على وجه الخصوص فهي حتى لو سجنت وحيدة بين أربعة جدران، ستخترع لها وسيلة لترى فيها وجهها، وطريقة لتزين بها نفسها ” كانت هذه وجهة نظر إحداهن في ردها على سؤالنا حول سبب اهتمامها بزينتها، وبثقة عالية تؤكد الفتاة أنها تهتم بجمالها لأنها تحب أن ترى نفسها جميلة بالدرجة الأولى.
مقدّم على الكفاءة !
لا يخفى على أحد أنّ الكثير من أرباب العمل والمدراء باتوا لا يجدون حرجا في ذكر شرط ” تاء التأنيث” مع شرط ” حسن المظهر ” في عروض العمل، والتي يقصدون بها حدّا معينا من الجمال الخلقي مع أناقة الهندام، ويقدمونها حتّى عن الكفاءة المهنية والمؤهلات العلمية، وهو ما صرح به أحد الوكلاء المعتمدين لبيع السيارات حيث يقول ” أركّز على جمال الطلّة، وأختار موظفاتي شابات وجميلات، لأنهن من أهم أسباب جلب الزبائن “
وتتعرض قليلات الحظ من الجمال ” القشري ” في مجتمعنا إلى الكثير من الكلام الجارح والتمييز العنصري الذي يؤدي بهنّ إلى الإنطواء و التّزمّت، وفقدان الثقة بالنفس، في الوقت الذي تحظى به الحسناوات بالكثير من الإطراء والغزل والإمتيازات، مما يكسبهنّ ثقة عالية بالنفس، لكنّه يُسقط بعضهن في فخّ الغرور، واستعمال جمالهنّ كعصا سحرية لتحقيق مآربهن أمام ” عبيد الجمال ” لكنّ السحر غالبا ما ينقلب على السّاحر، وتتحوّل النّعمة إلى نقمة بمجرد أن تجد إحداهنّ نفسها أمام المساومة، أو طعما يستعمله مديرها في جلب الأرباح لنفسه، وبالمقابل تتحمل هي صنوف التحرش والإهانات من طرف زبائنه.
فهل يمكن أن نصل يوما إلى مجتمع متصالح مع ذاته تحدّد فيه قيمة الإنسان ( أنثى أو ذكر ) بجمال جوهره لا بجمال مظهره؟