“هوشة” بلا تأثير!
ما حدث أمس تحت قبة المجلس الشعبي الوطني يعدّ سابقة فريدة من نوعها في أسلوب عمل هذه الهيئة التشريعية المغلوب على أمرها، بعد أن تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى هيئة ملحقة بالجهاز التنفيذي تصادق على ما يحال عليها من مشاريع قوانين وتكتفي بلقاءات ودية بين النواب والوزراء تحت مسمى الأسئلة الشفوية التي لا تقدم شيئا ولا تؤخر في أسلوب عمل الحكومة.
انتفاضة نواب المعارضة التي قادها الإسلاميون واليساريون ضد قانون المالية، وما جاء فيه من إجراءات قاسية على المواطن البعيد جاءت لتسجيل موقف يحسب لهم في المواعيد السياسية القادمة أكثر منه محاولة لمنع إقرار قانون المالية الذي يصفونه بأخطر قانون عرفته الجزائر لما فيه من تنازلات قياسية لصالح الخواص والأجانب.
وبعيدا عن الجانب الشكلي الذي يخدم السلطة ويعطي انطباعا عن الجو الديمقراطي السائد في الجزائر، أمام الرّأي العام الدولي وهو يرى مشهد الصّراع بين النواب تحت قبة البرلمان، والشّجار الذي طالما رأوه في برلمانات الدول الديمقراطية، بعيدا عن ذلك فإنّ الحركة التي قام بها نواب المعارضة لم يكن لها أثر ملموس في إصرار الحكومة على تمرير كل المواد التي كانت محل خلاف وخاصة المادة 66 المتعلقة بالخوصصة، والتي سقطت بالتّوافق في اجتماع لجنة المالية وعادت في الجلسة العامة بقوة “الأغلبية” التي تمثلها أحزاب السلطة وهي الأفلان والأرندي وحزبا غول وبن يونس.
وكان واضحا أنّ نواب الأحزاب اليسارية والإسلامية كانوا على يقين بأن القانون سيمر كما أرادته السّلطة، ولذلك تحوّلوا من العمل التشريعي العادي إلى القيام بعمل استعراضي يحفظ لهم ماء الوجه، ويوثّقوا موقفهم الرّافض لقانون المالية، لعل ذلك يخدمهم في المواعيد الانتخابية المقبلة، لكنهم في الواقع غير متصالحين مع أنفسهم على أساس أنهم يحتفظون بالعضوية في برلمان يصفونه بالمزور والمفصول عن انشغالات الشعب والخطير على أمن البلاد!
المشكلة الأخرى في “هوشة” النّواب أمس أنها بلا تأثير، لسبب بسيط هو أن الانحراف في الهيئة التشريعية، ومع ذلك بقي هؤلاء في قبة البرلمان، وهم يدركون أنهم لن يفعلوا شيئا سوى أن يكونوا ديكورا ديمقراطيا تحتج به السلطة لصالحها مع ضمان عدم خروج المؤسسة التشريعية من بيت الطاعة الذي أريد لها، وهو تماما ما قاله الوزير بن خالفة عندما ثمن ما حدث في تعقيبه عندما وصف ما حدث بالعراك الحضاري الذي نفتخر به، لأنه يندرج تحت حرية التعبير…