الرأي

هولاند بين تنصير الجزائر وأسلمة فرنسا

سهيل الخالدي
  • 2822
  • 0

تمتاز الجزائر وعموم المغرب العربي‮ ‬منذ قرون بوحدة المذهب وهو المذهب المالكي‮ ‬أحد المذاهب السنية دون أن‮ ‬يمنع ذلك من وجود مذاهب سنية أخرى مثل الحنفي‮ ‬والحنبلي‮ ‬والشافعي،‮ ‬وكذلك المذاهب‮ ‬غير السنية مثل الشيعة،‮ ‬وتشكل الإباضية ثاني‮ ‬أكبر المذاهب في‮ ‬الجزائر وهي‮ ‬بنظر البعض مذهب‮ ‬غير سني‮ ‬وغير شيعي‮ ‬في‮ ‬الوقت ذاته‮.‬

وبهذا التعايش الكبير والطويل بين المذاهب الإسلامية،‮ ‬تكون الجزائر مؤهّلة سياسيا ومذهبيا واجتماعيا لتقريب وجهات النظر بين مختلف توجهات الفكر الإسلامي،‮ ‬وكانت الجزائر منذ عام‮ ‬1968،‮ ‬وباقتراح من فيلسوف الإسلام مالك بن نبي‮ ‬وبإشراف من المثقف الموسوعي‮ ‬الجزائري‮ ‬مولود قاسم بدأت تنظم كل عام ملتقى الفكر الإسلامي‮ ‬يشارك فيه علماء وباحثون ورجال دين من مختلف دول العالم من مسلمين ونصارى،‮ ‬وقد نجح الملتقى في‮ ‬إقامة حوار‮ ‬يقرّب وجهات النظر بين المسلمين بعضهم بعضا،‮ ‬وبينهم وبين الآخرين،‮ ‬وكذلك في‮ ‬بحث عديد القضايا الهامة على ضوء ما توصل إليه العلم الحديث سواء في‮ ‬جانبه الإنساني‮ ‬أو التطبيقي،‮ ‬وفجأة وحين أوشكت هذه الملتقيات على الإتيان بثمارها ألغيت لأسباب لم تقنع أحدا‮.‬

وأعتقد أن الجزائر بإمكانها إعادة هذا المنتدى الفكري‮ ‬الإسلامي‮ ‬باسم‮  ‬جديد وبروح أكثر انفتاحا تهدف إلى إعادة التوازن المادي‮ ‬والروحي‮ ‬للإنسان المعاصر‮ ‬يشارك فيه الصوفيون والسلفيون والمفكرون الإسلاميون وغير المسلمين،‮ ‬يتدارسون فيه الحياة الروحية للمسلمين‮  ‬وأساليب استجابتها للعصر وانفتاحها على الآخرين وتطوير الفقه وتأكيد عالمية الإسلام والحفاظ على جوهره القرآني،‮ ‬ويمكنها الاستفادة‮  ‬من إرث الأمير عبد القادر الذي‮ ‬حمى المسيحيين في‮ ‬دمشق،‮ ‬بل والتنسيق مع سوريا لإعادة الاعتبار لمنزله في‮ ‬حي‮ ‬العمارة الدمشقي‮ ‬وجعله منارة لهذا الحوار بين الأديان،‮ ‬وكنت قد اقترحت على الحكومة الجزائرية وشرعت فعلا في‮ ‬ذلك،‮ ‬لكن بعض قصيري‮ ‬النظر منعوا المشروع من الوصول إلى‮ ‬غاياته؛ ففي‮ ‬الجزائر فئة الفرنكوفون النافذة في‮ ‬دواليب الدولة والمعروفة بجهلها الواسع وتبعيتها المطلقة تقف ضد أي‮ ‬جهد حضاري‮ ‬حقيقي‮ ‬يمكن أن تقوم به الجزائر،‮ ‬وهي‮ ‬لم تقف عند إلغاء ملتقيات الفكر الإسلامي‮ ‬تلك،‮ ‬بل طلعت على الناس بالقول بـ”إسلام جزائري‮” ‬تراه مختلفا عن‮ “‬الإسلام المشرقي‮”‬،‮ ‬وكأن الإسلام حالة جغرافية رسمت حدودها الدول الاستعمارية،‮ ‬أو كأن الإسلام متعدّد وليس إسلاماً‮ ‬واحداً‮. ‬

بالتأكيد أن العزلة سواء كانت‮  ‬سياسية أو فكرية أو اقتصادية أو عرقية‮  ‬تضر،‮ ‬بل أضرت فعلا بالجزائر،‮ ‬وهي‮ ‬غير ممكنة في‮ ‬عالم اليوم الذي‮ ‬يمر في‮ ‬حالة‮ ‬غير مسبوقة من التثاقف بين الأمم،‮ ‬سواء في‮ ‬مكوناتها أو بين بعضها بعض،‮ ‬فلم تعد العزلة الدينية أو القومية تنفع فردا أو جماعة أو أمة أو دولة؛ والجزائر باعتبارها الحضاري‮ ‬مجتمعا وتاريخا ونضالا‮ ‬يعطيها المكان والزمان في‮ ‬هذه الأيام فرصة قد لا تتكرر لإعادة التوازن الروحي‮ ‬لبني‮ ‬الإنسان،‮ ‬ولعل الفرنكوفونية المهترئة في‮ ‬فكرها وأدائها‭ ‬تفهم‮ ‬‭-‬إن كان لديها بقية من فهم‭-‬‮ ‬أن فرنسا التي‮ ‬كانت قبل‭ ‬قرن من الزمان أو أقلّ‮  ‬تسعى بكل قواها‮  ‬لتنصير الجزائريين وعموم أهل المغرب العربي،‮ ‬هاهي‮ ‬تتأسلم‮  ‬فالدين الإسلامي‮ ‬يزحف على فرنسا مع عقرب الساعة،‮ ‬بل إن المسلمين الفرنسيين‮ ‬يحضّرون بنادقهم؛ فهذه النقلة من تنصير الجزائر إلى أسلمة فرنسا لا توازيها‮ ‬غير جزأرة فرنسا،‮ ‬بدلا من فرْنسة الجزائر التي‮ ‬كانت همّا من هموم الاستعمار اليومية،‮ ‬وكل هذا درسٌ‮ ‬أمام هذه الفئة الفرنكوفونية إن كانت لديها قدرة على الاستفادة من الدرس قبل أن‮ ‬ينتهي‮. ‬

لذلك فإعادة التفسير على ضوء تجارب الأمة التاريخية،‮ ‬بدءا من تجربة المعتزلة العلمية والفلسفية،‮ ‬وصولا إلى تجربة المالكيين الانفتاحية‮  ‬وتجارب الأوروبيين والآسيويين في‮ ‬العلوم التطبيقية،‮ ‬كفيل بأن تجعل‮  ‬التوازن الروحي‮ ‬للإنسان رسالة جزائرية‮  ‬للعالم‭ ‬في‮ ‬دورته الحضارية الثالثة‮ ‬يشارك فيها رجال التصوف والزوايا وعلماء السلفية،‮ ‬وإلا فإن الخمسمائة شركة التي‭ ‬جاء الرئيس هولاند لترسيخها قادرة على أن تلتهم الجزائر وإفريقيا كلها من جديد وتسوق الناس إلى حروب جديدة تتضاءل أمامها حروب القرنين التاسع عشر والعشرين التي‮ ‬دفع فيها الجزائريون والعرب والمسلمون ملايين الضحايا‮.‬

مقالات ذات صلة