-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجامعة الجزائرية وأمنية الجودة “ISO 9001”

د/مصطفى بن حموش
  • 92
  • 0
الجامعة الجزائرية وأمنية الجودة “ISO 9001”

يعكس الاهتمام المتزايد بتبني المعايير العالمية لقياس الجودة في الجامعة الجزائرية، والتي ستمس 38 مؤسسة عبر الوطن، حرصا متناميا، سواء على مستوى الإدارة أو الوسط الأكاديمي، برفع مستوى أداء مؤسسات التعليم العالي المعنية بهدف مواكبة التحولات الدولية وتقليص الفجوة مع الجامعات الرائدة في العالم.

لقد أصبحت مؤسسات التعليم العالي، بدرجات متفاوتة، تخضع لضغوط المنافسة الدولية من أجل تحسين أدائها وتعزيز حضورها في التصنيفات العالمية، الأمر الذي جعل البحث عن آليات لضمان الجودة وتحسين التسيير الإداري خيارًا استراتيجيًا. ومن هذا المنطلق يندرج التوجه نحو اعتماد مواصفات المنظمة الدولية للتقييس (ISO)، ولا سيما المواصفة ” ISO 9001 “، باعتبارها إحدى الأدوات الرامية إلى الارتقاء بمنظومة الإدارة داخل الجامعة.

غير أن الشروع في تبني هذه المعايير يثير مجموعة من التساؤلات الجوهرية حول مدى ملاءمتها لطبيعة المؤسسة الجامعية ورسالتها، وحول قدرتها على الاستجابة لخصوصية التعليم العالي، سواء في علاقته بالمجتمع وسوق العمل أو بوظيفته في إنتاج المعرفة وتنمية الإنسان.

ولعل فهم ظروف نشأة المنظمة الدولية للتقييس وتاريخ تطورها يساعد على وضع هذه التساؤلات في إطارها الصحيح، فقد تأسست منظمة ” ISO ” في سويسرا سنة 1947، في سياق عالمي أعقب الحرب العالمية الثانية، حيث كانت أوروبا والعالم الصناعي يواجهان تحديات إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد.

وكان الهدف الأساسي من إنشائها هو وضع معايير دولية موحدة تسهل المبادلات التجارية، وترفع جودة المنتجات والخدمات، وتعزز الكفاءة الصناعية، وتشجع الابتكار، وتحسن نظم الإدارة، وتحمي البيئة، وتدعم ثقة المستهلك والأسواق في ظل التطور المتسارع للصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي.

وتكشف هذه الخلفية التاريخية أن الفلسفة التي قامت عليها المنظمة انطلقت أساسًا من عالم الصناعة والإدارة والاقتصاد والتجارة الدولية، قبل أن تمتد تدريجيًا إلى قطاعات أخرى، من بينها التعليم العالي.

بقول آخر فإن انتقال هذه المعايير إلى الجامعة يطرح إشكاليات تتعلق بخصوصية المؤسسة الجامعية، إذ تختلف طبيعة مخرجاتها اختلافًا جوهريًا عن مخرجات المؤسسات الإنتاجية.

فالجامعة لا تنتج سلعًا مادية، وإنما تخرّج كفاءات بشرية، وتنتج معرفة علمية، وتؤسس للبحث والإبداع، وهي مجالات يصعب قياسها بالمنطق نفسه الذي تقاس به جودة المنتجات الصناعية أو الخدمات التجارية.

ومن الملاحظ كذلك أن عددًا معتبرًا من الجامعات المرموقة عالميًا لا يعتمد مواصفة ” ISO 9001 ” إطارًا رئيسيًا لضمان الجودة، بل يرتكز على أنظمة اعتماد أكاديمي أكثر تخصصًا، طورت خصيصًا للتعليم العالي، وتركز على جودة البرامج الأكاديمية، ومخرجات التعلم، والبحث العلمي، والحوكمة الجامعية، والتأثير المجتمعي.

ومن زاوية إجرائية، فإن الانضمام إلى منظومة ” ISO ” في المؤسسات الاقتصادية يتم غالبًا بمبادرات طوعية تنبع من قناعة المؤسسة نفسها بالحاجة إلى تحسين أدائها وتعزيز قدرتها التنافسية، وهو ما يولد التزامًا داخليًا لدى مختلف الفاعلين.

أما عندما يصبح تبني هذه المواصفات نتيجة لتوجيهات مركزية أو قرارات إدارية عليا، كما قد يحدث في بعض مؤسسات التعليم العالي، فإن نجاح التجربة يصبح رهينًا بمدى اقتناع الأسرة الجامعية بها، وتحولها إلى ثقافة مؤسسية راسخة، لا مجرد إجراءات شكلية تستهدف الحصول على شهادة المطابقة.

كما أن نجاح مواصفة ” ISO 9001 ” في تحسين أداء الشركات والمؤسسات الاقتصادية لا يعني بالضرورة قدرتها، بمفردها، على ضمان الجودة الشاملة في الجامعة. فالجودة في التعليم العالي لا تقتصر على ضبط الإجراءات الإدارية، وإنما تشمل جودة التدريس، وكفاءة المناهج، وفعالية البحث العلمي، وحرية التفكير، والإبداع، والتكوين الإنساني، وهي عناصر تتأثر بعوامل معقدة، من بينها الإمكانات البشرية والمالية، وظروف العمل، والبيئة البحثية، والأعداد المتزايدة للطلبة، والسياسات الوطنية للتعليم العالي.

ومن ثم، فإن تحقيق الجودة في الجامعة يتطلب مقاربة أكثر شمولًا، تجمع بين تحسين الإدارة من جهة، وتطوير المضامين العلمية والبيداغوجية والبحثية من جهة أخرى، مع مراعاة خصوصية المؤسسة الجامعية باعتبارها فضاءً لإنتاج المعرفة، وليس مجرد منظمة تقدم خدمات قابلة للقياس وفق مؤشرات الأداء التقليدية.

لا ينبغي أن يُفهم هذا الطرح على أنه موقف رافض لمعايير ” ISO”، بل إن الاستفادة منها في تنظيم العمل الإداري، وتوثيق الإجراءات، وتحسين الحوكمة، وتعزيز ثقافة الجودة، تمثل مكسبًا حقيقيًا للجامعة. كما يجب أن ندرك أن نجاح هذه المعايير يظل مرهونًا بحدود مجالها الطبيعي، وبقدرتها على الاندماج ضمن منظومة أشمل لضمان الجودة الأكاديمية، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية التعليم العالي ورسالة الجامعة في خدمة المجتمع وإنتاج المعرفة وبناء الإنسان.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحصول على شهادة المطابقة، وإنما في ترسيخ ثقافة الجودة باعتبارها ممارسة يومية، وسلوكًا مؤسسيًا، وقناعة مشتركة بين جميع الفاعلين في الجامعة، بما يجعل الجودة وسيلة لتطوير الأداء وليست غاية في حد ذاتها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!