-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هولوكوست جديد!

حسين لقرع
  • 319
  • 0
هولوكوست جديد!

تحت غطاء “منع “حماس” من استعادة قوّتها بشمال غزة”، يشنّ الجيش الصهيوني، منذ ثلاثة أسابيع، حرب إبادة حقيقية لا هوادة فيها هذه المرة على سكان المنطقة، تجرّد فيها من كلّ القوانين الدولية والأعراف والقيم والأخلاق، وعاد فيها إلى وحشية القرون الغابرة، عندما كان الغزاة يحاصرون المدن ويقطعون عن سكّانها الغذاء والماء لإجبارهم على الاستسلام أو الموت جوعا وعطشا وبحدّ السيف.

هذا ما يحدث منذ 6 أكتوبر الجاري إلى اليوم في إطار تطبيق “خطّة الجنرالات”: حصار كامل لشمال غزة، وضغط كبير على أزيد من 300 ألف من سكانها المتشبّثين ببيوتهم، ووضعهم بين خيارين قاسيين: إمّا ترك المنطقة كلها بلا أمل في العودة، لأنّ الاحتلال ينوي إعادة احتلالها وملئها بالمستوطنات، أو الموت جوعا وعطشا وبالقصف الجهنمي.

ولتحقيق هذا الهدف، لا يتردّد الاحتلال في منع وصول الغذاء والماء وكافة أشكال المساعدات الإنسانية إلى شمال غزة، وتفجير البيوت والمربّعات السكنية ومدارس اللجوء على رؤوس السكان، وتدمير المستشفيات والمخابز وآبار المياه ومحطات التحلية وجرف المزارع التي أعاد السكان زراعتها لتوفير الحدّ الأدنى من الخضر لأطفالهم، ممنوع على هؤلاء الفلسطينيين أيّ مورد غذاء أو ماء أو علاج حتى يقبلوا بالنزوح إلى جنوب غزة في المرحلة الأولى، تمهيدا لترحيلهم لاحقا، ورفقة سكان الجنوب، إلى سيناء المصرية، وهذا هو الهدف الحقيقي والنهائي الذي يسعى إليه الاحتلال منذ بداية الحرب قبل سنة كاملة، وإن كان غير معلن هذه المرة.

إنها جريمة صارخة ضدّ الإنسانية؛ تجويع وتعطيش حتى الموت، ومجازر يومية مهولة ضدّ النساء والأطفال والمدنيين، وكلّ ذلك يجري على المباشر وأمام أنظار العالم أجمع بالصورة والصوت، في “هولوكوست” جديد بالغ الوحشية والهمجية، لكنّ المذهل أنّ هذه الجرائم ضدّ الإنسانية لا تحرّك شعرة في هذا العالم ذي المكيالين الذي ثار من أجل آلاف اللاجئين في أوكرانيا ولم يتحرّك ضد تهجير مئات الآلاف في فلسطين ويشيح بوجهه عنهم، هذه الدول هي التي وضعت القوانين الدولية الإنسانية وقواعد الاشتباك في الحروب وحظر استهداف اللاجئين وحظر التطهير العرقي واعتبارها جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، ومع ذلك، لا ترى ضيرا الآن في تجاهل ما يحدث في غزة، لا لشيء إلا لأنّ أهلها مسلمون وعرب!

خلال سنة كاملة من حرب الإبادة في غزة، ظهر الجميع على حقيقتهم؛ ظهر أنّ العرب والمسلمين جميعا عاجزون عن فعل أدنى شيء لغزة واستسلموا تماما وتركوها لقدرها، وحتى لو أبيد سكانها كلّهم، لما كان بوسعهم غير الإدانة والشجب والاستنكار كعادتهم، كلّهم عاجزون عن فعل شيء، بل إنّ فيهم من وقف في صفّ العدوّ وسلّط إعلامه المتصهين وذبابه الإلكتروني العفن وفقهاء البلاط للطعن في المقاومة ووصف قادتها بـ”الإرهاب” والشماتة باستشهادهم، في صورة تنضح نذالة وحقارة.

وخلال هذه الحرب أيضا، ظهر الغرب على حقيقته: فهو منافق حتى النخاع، كاره للإسلام والمسلمين إلى درجة أنّه يتمنى إبادتهم جميعا، متوحّش ومنحاز بشكل سافر إلى جانب الاحتلال الفاشي، وبعض دوله تدعمه عسكريّا وسياسيّا بلا حدود، وتتعامى عن رؤية المجازر وأعمال التطهير العرقي الخطيرة التي يقوم بها الاحتلال هذه الأيام في شمال غزة، بل إنها تبرّر قتل المدنيين الفلسطينيين بكلّ صلف ووقاحة كما فعلت وزيرة الخارجية الألمانية قبل أيام، وقد أطلقت هذه الدول يد الاحتلال يفعل ما يشاء في القطاع ولو داس على القانون الدولي الذي وضعته بنفسها.

لذلك، نعتقد أنّه لا جدوى من مناشدة العالم للتدخّل والضغط على الاحتلال لإيقاف تطبيق “خطّة الجنرالات” وإدخال المساعدات إلى شمال القطاع، وترك سكانه في بيوتهم، والاكتفاء بمحاربة “حماس” هناك… لا جدوى من ذلك تماما؛ فالغرب الظالم الذي يتحكّم في هذا العالم يقف إلى جانب الاحتلال ويدعمه بلا حدود ولن يضغط عليه أبدا ولو قصف سكان الشمال الصامدين بالقنابل النووية.

لا أمل في نهاية هذه المحرقة سوى بصمود المقاومة والسكان معا كما فعلوا في نوفمبر 2023 وماي 2024 حينما حاول العدوّ “تطهير” الشمال، ولاسيما جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، من المقاومة والسكان معا، وفشل مرّتين وانسحب، ولا مناص سوى الصمود مجدّدا، لكن إذا حقّق الاحتلال هدفه في شمال غزة هذه المرّة، ثمّ في بقيّة أراضيها لاحقا، فستكون الخطوة القادمة هي إقامة “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات” وسيدفع العرب غاليّا ثمن صمتهم على ما يحدث في غزة، وتآمر بعضهم مع الاحتلال ضدّها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!