-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق أونلاين" تحاور حفيدة آخر أباطرة الفيتنام:

هَامْ نْغِي.. الإمبراطور الذي أصبح فنانا في الجزائر

ماجيد صراح
  • 1619
  • 0
هَامْ نْغِي.. الإمبراطور الذي أصبح فنانا في الجزائر
الأرشيف الوطني لما وراء البحار (فرنسا)
هام نغي أثناء منفاه بالجزائر، 1896.

يعد هَامْ نْغِي (1871-1944) إمبراطورًا وطنيًا وبطلًا قوميًا في الفيتنام. إذا كان هذا الاسم يحظى باحترام كبير في الفيتنام خصوصًا وأنه أول إمبراطور فيتنامي يقاوم الاستعمار الفرنسي، إلا أنه اسم مغمور في الجزائر بالرغم من أنه عاش فيها أكثر مما عاش في وطنه. وذلك بعد إطاحة الاستعمار الفرنسي به ونفيه للجزائر حيث عاش في فيلا بالأبيار في الجزائر العاصمة وتوفي فيها.

في المقابلة التي خصت بها “الشروق أونلاين“، تتحدث أماندين دابا، عن الإمبراطور المقاوم للاستعمار الفرنسي في الفيتنام، والذي أصبح فنانًا بعد أسره ونفيه إلى الجزائر التي وصل إليها في 13 جانفي 1889.

“هام نغي هو جدي الأكبر. اكتشاف أرشيفه الخاص قادني لتخصيص أطروحة الدكتوراه لدراسة حياته وأعماله.” تقول الدكتورة في تاريخ الفن، أماندين دابا.

أماندين دابا، صورة: Nguyễn Phúc Bảo Minh

أماندين دابا، صورة: Nguyễn Phúc Bảo Minh

هام نغي هو ثامن حاكم من سلالة نغوين، آخر أسرة حكمت إمبراطورية أنام، وهي الفيتنام الحالية، من 1802 إلى 1945.

إقرأ أيضا: أعمر صالحي ذلك الجزائري الذي هرب من جحيم منفى كايين

اعتلى العرش في أوت 1884 واستمر حكمه إلى غاية 19 سبتمبر 1885، أي عامًا و47 يومًا. هذا قبل أن يطيح به الاستعمار الفرنسي ويقع في الأسر بعد تعرضه للخيانة.

“بعد عام من حكمه، أطلق وكلاؤه معركة ضد الفرنسيين، وخسروها. ثم أخذ الوكيل تون ثات توييت الإمبراطور إلى الجبال للقتال ضد الفرنسيين. أطلق الوكيل حركة مقاومة باسم الإمبراطور. كان دور هام نغي (الذي كان عمره بين 14 و17 عامًا في ذلك الوقت) هو الحفاظ على الرمز الإمبراطوري الذي يمثله. وفقًا للوثائق الأرشيفية، لم يشارك في المعارك. كان دوره هو الاختباء لتجنب القبض عليه من قبل الفرنسيين الذين كانوا يلاحقونه.” تتحدث أماندين دابا عن دور هام نغي في المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي.

استعمرت فرنسا فيتنام على مراحل خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. بداية من عام 1858 حين غزت القوات الفرنسية مدينة دا نانغ، واستمر توسعها حتى تمكنت من السيطرة على جنوب فيتنام عام 1862، التي أصبحت تعرف بكوتشينشينا. 21 سنة بعد ذلك، سيطرت فرنسا على شمال ووسط فيتنام، مما أدى إلى تقسيم البلاد إلى ثلاثة أجزاء تحت السيطرة الفرنسية: تونكين في الشمال، وأنام في الوسط، وكوتشينشينا في الجنوب.

وفي عام 1887، أصبحت فيتنام جزءًا من اتحاد الهند الصينية الفرنسية، الذي ضم أيضًا كلا من لاوس وكمبوديا.

وتشير محدثتنا على ضوء ما درسه المؤرخ تشارلز فورنيو، أن حركة المقاومة هذه ضد الاستعمار الفرنسي التي كان هام نغي على رأسها كانت “تشبه نوعًا من حرب العصابات ضد الفرنسيين. بعض الفيتناميين دعموا الإمبراطور هام نغي، بينما انضم البعض الآخر إلى الفرنسيين وقبلوا بتنصيب شقيق هام نغي، الإمبراطور دونغ خان، الذي لم يكن له أي سلطة. حاول الفرنسيون إنهاء المقاومة بالقبض على هام نغي ونفيه إلى الجزائر، لأن اسمه كان رمزًا للمقاومة. ولكن المقاومة استمرت لعشر سنوات بعد نفيه.”

تضيف أماندين دابا أنه بعد إلقاء القبض على الإمبراطور في نوفمبر 1888 “اختار الفرنسيون الجزائر لأن هام نغي كان يبلغ من العمر 18 عامًا فقط. كانوا يخشون أن ينال نفيه إلى فرنسا تغطية إعلامية أكبر ويستخدم لانتقاد السياسة الاستعمارية الفرنسية. بدا النفي إلى الجزائر أكثر هدوءًا.”

فبدلاً من نفيه إلى فرنسا، قام الفرنسيون بنفيه إلى الجزائر، بعيدًا عن الأضواء، حيث سهل عليهم مراقبته ومراقبة الأشخاص الذين يلتقيهم وقراءة رسائله طوال فترة نفيه.

في منفاه بالجزائر، حضي هام نغي بامتيازات أرادت فرنسا أن تجعله بها مواليًا لها خدمة لمصالحها الاستعمارية.

وهذا ما ظهر في الرسالة التي كتبها الحاكم العام للهند الصينية إلى وزير البحرية والمستعمرات الفرنسي يوم 12 ديسمبر 1888، تاريخ نفي هام نغي إلى الجزائر، من أجل أن يلفت انتباه الوزير “بشكل خاص إلى الوضع الحالي لهام نغي، فالأمير مجرد طفل وليس لديه أي خبرة في الحياة؛ جعلته الحرب بالأمس عدوًا لنا، واليوم أسيرًا لنا”، ليضيف الحاكم العام في رسالته أنه “سيكون من المرغوب فيه، لصالح سياستنا الاستعمارية، ألا يضيع إقامته في الجزائر بالنسبة له، وأن يعود بفكرة حقيقية عن حضارتنا وارتباط حقيقي بفرنسا.”

واقترح الحاكم العام للهند الصينية على وزير البحرية والمستعمرات الفرنسي معاملة الإمبراطور المنفي “معاملة طيبة”، من أجل أن “يدرك بسرعة تفوق المؤسسات الفرنسية” و”ينجذب عن طيب خاطر” لتلك المعاملة.

وفي ظل هذه الخطة التي انتهجتها السلطات الفرنسية تجاه هام نغي، وإضافة لتقديمه للطبقات العليا الفرنسية الموجودة آنذاك في الجزائر العاصمة “عرضت السلطات الفرنسية عليه تعلم الفرنسية وأخذ دروس في الرسم والتصوير. كان الهدف هو جعله مواليًا لفرنسا، في حالة إعادته إلى عرش أنام. تحول الفن تدريجيًا إلى شغف. هكذا أصبح فنانًا.”، تشرح لنا أماندين دابا.

عن إرثه الفيتنامي الذي يمكن العثور عليه في فن آخر أباطرة الفيتنام، تقول لـ”الشروق أونلاين” دكتورة تاريخ الفن، أماندين دابا “استلهم هام نغي من أسلوب الانطباعيين وما بعد الانطباعيين الفرنسيين. كان يرسم الجزائر وفرنسا بنفس الطريقة التي كان يمكنه رسم فيتنام بها: يرسم الطبيعة، متجاهلاً المجتمع في عصره. إذا لم يظهر أي شيء فيتنامي محدد في عمله، يمكن تخيل أن رسم مناظر طبيعية تشبه أحيانًا المناظر الطبيعية الفيتنامية كان يمكن أن يكون وسيلة لإحياء فيتنام كذكرى. توقيعه فقط، بالرموز، يشير إلى إرثه الفيتنامي.”

إقرأ أيضا: هكذا أرسلت فرنسا 5700 جزائريا للهلاك في مدغشقر

وأثناء فترة نفيه في الجزائر بعيدًا عن وطنه وبعيدا عن السياسة، لجأ هام نغي إلى الأدب، التصوير الفوتوغرافي، الرسم، والنحت.

هام نغي يتأمل إحدى لوحاته في مقر إقامته بالأبيار في الجزائر العاصمة. حقوق محفوظة

هام نغي يتأمل إحدى لوحاته في مقر إقامته بالأبيار في الجزائر العاصمة. حقوق محفوظة

وفي مسودة رسالة أرسلها إلى صديقه العسكري الفرنسي، أريستيد دي غوندريكور في الفاتح من جانفي 1897 قال “هذه الأعمال (…) هي، إذا جاز التعبير، جزء لا يتجزأ من حياتي؛ أقرأ في لوحاتي: تقلب أفكاري الحزينة، وفرحي وفوارقها الألف، وأتصفح كل ثنايا رسوماتي. قلبًا واحدًا، وهو بالنسبة لي مصدر أستمد منه: تشجيعًا وعزاءً.”

بالرغم من الامتيازات والمكانة التي حظي بها، حتى أنه تزوج بابنة رئيس محكمة الجزائر، مارسال لالوي، في 7 نوفمبر 1904، إلا أن فرنسا بقيت تراقبه بحذر. وأثناء حديث جمع بين الحاكم العام للهند الصينية، بول بو، ووزير المستعمرات إيتيان كليمونتال مع رئيس محكمة الجزائر، فرانسيس لالوي، قال بول بو “أصدقاء السيد هام نغي لا يعرفونه، ولا يعرفون عقلية الأناميين. هناك عدد قليل من الرجال في أنام، أما هو فكان رجلاً وعمره 15 عامًا. فخرج وهو يصرخ: الموت للغزاة. ما كان يعتقده آنذاك ولا يزال يعتقده اليوم، هو عدونا الأكثر تصميماً.”

توفي هام نغي يوم 14 جانفي 1944 في الأبيار بالجزائر العاصمة وعمره 72 عامًا، دون أن يعيش استقلال بلاده، الفيتنام، والتي غادرها آخر جندي فرنسي يوم 14 سبتمبر 1956.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!