الرأي

وإن تتولّوا يستبدل قومًا غيركم

سلطان بركاني
  • 1060
  • 0

 في حديث له عن إحدى زياراته إلى كندا، قال العالم السّوداني الشّيخ جعفر شيخ إدريس: رأيتُ في المركز الإسلامي بمونتريال شابًا قد أسلم حديثًا، ويصلّي جميع الصلوات جماعةً في المركز الإسلاميّ، وقد أخبرني إمامُ المسجد أنّ هذا الشاب منذ أن دخل في الإسلام وهو لا يترك فرضًا من الفروض مع الجماعة بهذا المركز صيفًا ولا شتاءً، حتى في شهور الثلوج والبرد الشديد، وأنه يقطع في سبيل ذلك طريقًا يستغرق منه كل مرة حوالي نص فساعة، يقول الشّيخ جعفر إدريس: فكلمتُ ذلك الشاب لأقنعه بأنه في ذلك يشق على نفسه، فقال لي: يا شيخُ؛ أمَا قرأتَ قول الله تعالى ((ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب)) (الحج 32)، والمساجد من شعائر الله، فأنا أريد أن أعظّم شعائر الله تعالى. قال الشّيخ: فوالله لقد انقطعت حجّتي، وسكتّ.

هكذا يعيش المسلمون الجدد الإسلام بقلوبهم وأرواحهم، وهكذا يعظّمون شرائعه وشعائره؛ الواحد منهم ما أن يعتنق الإسلام حتى يحسّ أنّه قد ظفر بأعظم كنز في الوجود، ويرى أنّه ينبغي أن يصبغ حياته كلّها بهذا الدّين، ويعيشه واقعا في كلّ صغيرة وكبيرة من حياته، ويسعى لتقديم ما أمكنه تقديمه لخدمته والدّعوة إليه والذّود عنه، على النّقيض تماما ممّا نعيشه نحن الذين ولدنا وترعرعنا على هذا الدّين، لكنّنا لم نعرف قدره، فأعطيناه هوامش حياتنا وفضول أوقاتنا، ونظرنا إليه على أنّه تكاليف نتملّص من بعضها لأتفه الأسباب، ونؤدّي بعضها خوفا من العقاب، وحدود نلزم بعضها على مضض، ونتعدّى بعضها بأوهى الأعذار والحجج.

في رمضان من كلّ عام، نسمع عن أحوال المسلمين في بلاد الغرب مع الصيام والقيام والعطاء، ما يفرح الرّوح ويجمّ الفؤاد، ونقرأ –في المقابل- على صفحات الجرائد عن أحوال بعض المسلمين في بلاد الإسلام ما يُدمي القلوب ويقرّح الأكباد؛ رمضان عندهم هناك خشوع ودموع وأشواق، وعندنا هنا أطباق وسهرات وأسواق، عندهم هناك أخلاق وآداب، وعندنا هنا تفحّش وسباب، عندهم هناك أسعار تخفّض ومواساة، وعندنا هنا أسعار تلتهب ومعاناة. المساجد عندهم هناك تعمر بالراكعين والسّاجدين والذّاكرين، وعندنا هنا تعمر بالمتوسّعين في أحاديث الدّنيا وبالنّائمين.

إنّنا نخشى إن استمرّت بنا هذه الحال مع ديننا، أن يستبدلنا الله بقوم آخرين، يعرفون لهذا الدّين قدره، ويحفظون شعائره ونهيه وأمره، ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)) (محمّد 38).

مقالات ذات صلة