-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
هروب من زحمة الشواطئ إلى سحر الجبال

وادي البارد بسطيف… شلالات منهمرة ومطاعم عائمة وسط الطبيعة

سمير مخربش
  • 147
  • 0
وادي البارد بسطيف… شلالات منهمرة ومطاعم عائمة وسط الطبيعة
ح.م

تشدّ الكثير من العائلات الرحال، في عزّ فصل الصيف، نحو وادي البارد، شمال ولاية سطيف، بحثا عن وجه آخر للمتعة بعيدا عن صخب الشواطئ واكتظاظ الطرقات، حيث يجد الزائر نفسه أمام مشهد طبيعي مختلف، تصنعه مياه عذبة تنحدر من أعالي الجبال، وشلالات تتوسط الصخور، وأشجار كثيفة تحيط بمجاري المياه، في لوحة جعلت من المنطقة واحدة من أبرز الوجهات التي يقصدها عشاق السياحة الجبلية وسياحة الوديان في جو منعش في عز الصيف.
ما إن يقترب الزائر من المنطقة حتى يتغير المشهد تدريجيا، فالطريق يقود إلى فضاء تتراجع فيه ضوضاء المدن، لتحل محلها أصوات المياه المتدفقة وحركة الزوار الذين اختاروا قضاء يومهم بين الجبال والمجاري المائية. وهنا لا يبحث القادمون عن الرمال ولا عن أمواج البحر، وإنما عن مياه باردة وعذبة، وعن جلسة عائلية في قلب الطبيعة، وعن فرصة للابتعاد ولو لساعات عن حرارة المدن وضغط الحياة اليومية.

عندما تصبح الوديان شواطئ بديلة
اختارت عائلات كثيرة وادي البارد بديلا عن البحر، ليس فقط لقربه النسبي من سكان سطيف والولايات المجاورة، وإنما أيضا لما يوفره من أجواء مختلفة. فبدل ساعات السفر الطويلة نحو المدن الساحلية، والوقوف في طوابير السيارات خلال أيام الصيف، يجد الزائر نفسه في فضاء جبلي تتداخل فيه زرقة المياه مع خضرة الأشجار وامتداد الصخور.
تقول إحدى الزائرات، قدمت رفقة أفراد عائلتها من سطيف، إن اختيارها للوادي جاء بحثا عن مكان هادئ تقضي فيه الأسرة يومها بعيدا عن الاكتظاظ الذي تعرفه الشواطئ خلال موسم الاصطياف، مضيفة أن أكثر ما شدها إلى المنطقة هو “الماء البارد والطبيعة والجو العائلي”، معتبرة أن المكان يصلح لقضاء يوم كامل من دون الحاجة إلى تكاليف سفر وإقامة في المدن الساحلية.
أما أحد الزوار القادمين من ولاية برج بوعريريج، فيرى أن وادي البارد مكان للسباحة وإفضاء طبيعي متكامل يمكن أن يكون مقصدا سياحيا حقيقيا إذا حظي بمزيد من التهيئة. ويشير إلى أن ما يميز المنطقة هو اجتماع الماء والجبل والخضرة في مساحة واحدة، وهو ما يمنحها خصوصية لا توفرها الوجهات السياحية التقليدية.
وتتحول مجاري المياه في أجزاء من الوادي إلى أحواض طبيعية تحاصرها الصخور، فيما تتساقط المياه من مستويات مختلفة مشكلة شلالات صغيرة وأخرى أكثر ارتفاعا، وهو المشهد الذي يدفع كثيرا من الشباب إلى مواصلة الصعود نحو المناطق العلوية، حيث تزداد المغامرة ويصبح الوصول إلى منابع المياه والشلالات تجربة بحد ذاتها.

سباحة وسط الصخور تحت شلالات متدفقة
لا يقتصر استقطاب الوادي على العائلات، فالشباب، خاصة من هواة المغامرة، يجدون في المرتفعات مساحة مختلفة للترفيه. البعض يفضل البقاء قرب المجاري المائية السهلة الوصول، بينما يختار آخرون صعود المسالك الجبلية باتجاه الشلالات الأعلى، حيث تتحول الرحلة إلى مغامرة تجمع بين المشي واكتشاف الطبيعة والسباحة في الأحواض التي شكلتها المياه بين الصخور عبر الزمن.
ويقول شاب من سطيف التقيناه بالموقع إن “الوصول إلى الشلالات العليا يحتاج إلى بعض الجهد، لكن المشهد في النهاية رائع وجذاب”، مشيرا إلى أن ما يجذبه إلى المكان هو شعوره بأنه يكتشف في كل زيارة زاوية جديدة، خصوصا أن تضاريس المنطقة تسمح بممارسة أكثر من نشاط في اليوم نفسه.
وبالقرب من المياه، تنشغل العائلات بمداعبة مجرى الوادي وقضاء ساعات طويلة في الهواء الطلق، بينما يجد الأطفال متعة خاصة في اللعب والاستمتاع بالمياه، وهو ما جعل المنطقة تستقطب أيضا رحلات جماعية تنظمها بعض الجهات لفائدة الأطفال والشباب.
غير أن الحديث عن السباحة في المجاري والأحواض الطبيعية يستدعي، في المقابل، التحلي بالحذر، خصوصا بالنسبة للأطفال، إذ تختلف الأعماق وطبيعة الصخور وسرعة جريان المياه من مكان إلى آخر. ولذلك تبقى مراقبة الأطفال وعدم الاقتراب من المناطق الخطرة أمرا ضروريا، مهما بدا المكان هادئا وآمنا.

مطاعم عائمة… تناول الوجبات والأرجل في الماء
ولعل أكثر ما منح وادي البارد خصوصيته خلال السنوات الأخيرة هو ظهور فضاءات إطعام استثمرت طبيعة المكان بطريقة لافتة، حيث وضعت الطاولات والكراسي داخل مجرى المياه أو بمحاذاته، ليجد الزائر نفسه يتناول وجبته ورجلاه في الماء.
المشهد يبدو غير مألوف للزائر القادم للمرة الأولى؛ طاولات تتوسط المياه، عائلات تتناول المشويات، أطفال يلعبون بالقرب منها، ومياه باردة تمر أسفل المقاعد، فيما تحاول المطاعم والفضاءات المتواجدة بالموقع استغلال خصوصية الوادي لتقديم تجربة سياحية مختلفة.
ويقول أحد أصحاب هذه الفضاءات إن الإقبال يتزايد خصوصا خلال عطلة نهاية الأسبوع، مؤكدا أن الزوار لا يقصدون المطعم من أجل الطعام فقط، وإنما من أجل التجربة كاملة، أي الجلوس وسط المياه والاستمتاع بالطبيعة في الوقت نفسه.
وتضيف إحدى الأمهات التي كانت رفقة أطفالها “إن تناول الغداء بهذه الطريقة أكثر متعة بالنسبة للأطفال من الجلوس في مطعم عادي”، خاصة مع وجود فضاءات موجهة للعائلات. وقد أصبحت بعض هذه الأماكن تحمل لافتات تؤكد طابعها العائلي، في محاولة لاستقطاب الأسر التي تبحث عن فضاء يجمع بين الأكل والترفيه والطبيعة.
وتحولت هذه المطاعم والفضاءات إلى عنصر إضافي في المشهد السياحي للوادي، بعد ما كان الزائر في السابق يكتفي بالماء والمناظر الطبيعية. واليوم بات بإمكانه أن يقضي ساعات أطول في المكان، من السباحة والتنزه إلى تناول وجبة في قلب المياه.
ولم يعد الإقبال على وادي البارد مقتصرا على سكان المنطقة أو العائلات التي تقصده بشكل فردي، فقد أصبحت حافلات الرحلات المنظمة تتردد على الموقع، سواء من سطيف أو من ولايات مجاورة.
وفي عين المكان، يمكن ملاحظة مجموعات من الزوار تصل في شكل رحلات جماعية، فيما اختارت بعض الوكالات السياحية إدراج المنطقة ضمن برامجها، إلى جانب رحلات تنظمها رياض الأطفال وبعض المدارس القرآنية لفائدة الأطفال وحفظة القرآن، في إطار أيام ترفيهية تجمع بين النشاط الجماعي واكتشاف الطبيعة.
وتقول إحدى المشاركات في رحلة جماعية إن تنظيم الرحلات إلى الوادي “يوفر للأطفال فرصة للخروج من أجواء الدراسة والروتين، والتعرف على أماكن جميلة داخل ولايتهم”، مضيفة أن وجود الماء والطبيعة يجعل المكان أكثر جذبا للأطفال.
وتكشف الحركة المتزايدة باتجاه هذا الموقع الطبيعي أن وادي البارد بدأ يتحول تدريجيا إلى منتج سياحي يمكن أن يستقطب الزوار من خارج الولاية، خاصة إذا تم الاستثمار في إمكاناته الطبيعية والتهيئة السياحية المحيطة به.

طبيعة سخية… وهياكل غائبة
ورغم كل ما يقدمه الموقع من مقومات طبيعية، إلا أن زوار الوادي والمتعاملين فيه يجمعون على أن المنطقة لا تزال بحاجة إلى مزيد من العناية والتهيئة حتى تنتقل من مجرد وجهة صيفية يقصدها الزوار ليوم واحد إلى منطقة سياحية متكاملة قادرة على استقبال أعداد أكبر.
فغياب الفنادق أو مرافق الإقامة، ومحدودية فضاءات اللعب والترفيه، وغياب حظيرة سيارات منظمة، من بين النقائص التي تبرز بوضوح خلال فترات الذروة. كما أن تنامي عدد الزوار يطرح الحاجة إلى مزيد من التنظيم والنظافة والتهيئة وتنظيم المسالك، بما يحافظ على جمالية الموقع ويضمن راحة الوافدين.
ويقول أحد الزوار إن “الطبيعة قامت بواجبها، وما ينقص هو أن تقوم الجهات المعنية بدورها”، معتبرا أن إنشاء مرافق سياحية مدروسة لا يعني تحويل المكان إلى منطقة إسمنتية، وإنما توفير الحد الأدنى من الخدمات مع الحفاظ على طابعه الطبيعي.
فالوادي، حسبه، يمتلك ما تبحث عنه السياحة الحديثة: الماء، الجبل، الخضرة، المغامرة، الهدوء، ويبقى المطلوب تحويل هذه المقومات الطبيعية إلى قيمة سياحية واقتصادية مستدامة.
وبين عائلة اختارت أن تستبدل البحر بمياه الوادي، وشباب يتسلقون الجبل بحثا عن الشلال الأعلى، وأطفال يلهون قرب المياه، وزوار يتناولون المشويات وأقدامهم مغمورة في الماء، يرسم وادي البارد ملامح تجربة سياحية مختلفة في ولاية سطيف.
إنها سياحة لا تحتاج إلى شاطئ رملي ولا إلى فنادق فاخرة حتى تجذب الناس، وإنما تستمد قوتها من الطبيعة نفسها. مياه عذبة تنحدر من الجبل، صخور صنعتها الطبيعة على مدى سنوات طويلة، أشجار تمنح المكان ظلالا، وشلالات أصبحت نقطة جذب لعشاق المغامرة والتصوير والاستجمام.
وإذا كان البحر لا يزال الوجهة الأولى للجزائريين خلال الصيف، فإن وادي البارد يقدم دليلا على أن سياحة الوديان والجبال، كما هي في العديد من الدول، قادرة هي الأخرى على اقتطاع مساحة مهمة من خريطة الاصطياف، خصوصا بالنسبة للعائلات التي تبحث عن بدائل أقل كلفة وأقل عناء وأكثر قربا من الطبيعة.
ويبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذا المورد الطبيعي وتثمينه من دون الإضرار بخصوصيته، من خلال تهيئة مدروسة، وخدمات منظمة، وحماية للمجاري المائية والغطاء النباتي، بما يسمح لوادي البارد بأن يتحول من وجهة موسمية إلى واحدة من العلامات السياحية الطبيعية التي تُعرف بها ولاية سطيف.
ففي مكان تتعانق فيه الجبال مع الماء، لا يحتاج الزائر إلى كثير من الإقناع كي يكتشف أن للمدينة العالية شواطئ من نوع آخر، لا تنتهي عند الرمال، بل تبدأ من قلب الجبل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!