واسلمي يا تونس!
في هذا الزمن العربي الرديء، زمن التردي والتحدي، والتصدّي، المثقلة سماؤها بسحائب الفتن الدكناء، كقطع الله المظلم، الممطرة رعوده وعواصفه بأمطار الحِراب والخراب، والعذاب في سوريا، والسحل والقتل في العراق، وبالانقلاب والسراب في مصر، تتجه الأنظار إلى المغرب العربي عمومًا، وإلى تونس وليبيا تحديدًا، ففي هذين البلدين لا تزال حناء “الرّبيع العربي” لم تذبل بعد من أيدي البنات، والسواك لم يفقد أثره من أفواه السيدات. لقد هال أعداء العروبة والإسلام داخل الوطن العربي وخارجه، هالهم أن يستقر بلد عربي، خصوصًا بعد التغيير، وأن يلوح بإمكانية البناء والتعمير، فجندوا لزعزعته فرقة الطوابير، وأعلنوا لتخريبه النفير.
فبعد إشغال أجزاء من المشرق العربي بالصراع العقيم بين الحرّ والزنيم، ها هم أعداء العروبة والإسلام يطلقون شرارات الاغتيالات، وتجنيد طوابير المؤامرات في تونس، وليبيا، وباقي الأقاليم والمحافظات. فهل تحوّل “الرّبيع العربي” إلى صيف ذي حرّ شديد، يحرق الأخضر، واليابس، وكلّ الثمار والمنتوجات؟ لقد راهنا على وعي الأحرار في كلّ مكان، وحسبنا أنّ العسكري والمدني كلاهما أمان في حماية الأوطان، ولكن ما راعنا إلا والذئب المسلّح يأكل الخرفان، والعالم المعمم يخفي – بفتواه – سلطة الميدان، وهاهي المجموعات الليبية المسلحة تعيث فسادًا في كلّ مكان؛ فتغتال الأحرار بلا رادع من وعي، ولا مانع من القوانين والأوزان… عجبًا لإخوتنا الأشقاء في ليبيا كيف حوّلوا بلدهم الغالي والعالي إلى مرتع للقطعان، تُحتل فيه المؤسسات، والوزارات في وضح النهار دون مقاومة من أيِّ إنسان!.
إنّ المخاض الليبي العسير؛ الذي جاء بعد عناء كبير يطرح تساؤلات على كلّ وطني ليبي، ذي وعي وضمير إلى أين المسير، وما هو المصير؟. تالله إنّ ما يحدث لليبيا العزيزة من همجية الاغتيالات، وفوضوية تصفية الحسابات، لما يثير الخوف على مستقبل الوطن في ظلّ تنامي الميليشيات، فإلى متى تظلّ أيدينا راجفة، وقلوبنا واجفة من هول الأعاصير والعاصفة؟.
إنّنا من وحي الحبّ لليبيا الذي يجمعنا مع كلّ الشرفاء، والنبلاء، والعقلاء من أحرار ليبيا، نخاطب كلّ ليبي، وخاصّة العلماء، والمفكرين، والمقاومين، أن اتقوا الله في بلدكم، وجنّبوا شعبكم مؤامرة الكائدين لنفطكم وجيشكم.
فقد تآمر القوم عليكم، وأنتم غافلون، وتحالف العدو على مصيركم وأنتم له مستسلمون. فحذار »إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا«.
ونعود إلى تونس الرائدة بسلمية ربيعها، السائدة بحكمة تسييرها، المستقرة بحنكة تعايشها وتسامحها، هاهم أولاء أعداء تونس في الداخل والخارج، يكيدون لها المؤامرات، ويزرعون في طريق تنميتها شتّى أنواع الحواجز والعقبات، لسفك الدماء وزرع الاغتيالات تحت ستار الدين المزعوم تارة، وحق الإنسان المظلوم في شتى المناسبات. وما القصد من كلّ هذا إقامة الدين، فالدين ينبذ سفك دماء الأبرياء وإشاعة الفتنة والبلبلة داخل المواطنين البرآء. وتالله ما حقوق الإنسان هي الغاية، فإنّ من أبسط حقوق الإنسان، التسليم بحق المعتقد، وحق المواطنة، واحترام حق الصندوق، فكيف يجرؤ البعض باسم حماية حقوق الإنسان على التجرؤ على انتهاك حق الإنسان؟ وكيف يرضى أي تونسي شريف حرّ أن يتخذ من نفسه جسرا لتمكين أعداء تونس أيًا كان هدفهم، ومهما تكن قناعة انتمائهم من أن ينالوا من تونس، وأن يحوّلوا خضرة النماء فيها إلى حمرة الدماء المسفوكة من أبنائها؟ والله ما هذا بالذي يرضى به أيُّ تونسي.
فيا أيّها المثقفون في تونس! ويا أمهات العلماء في تونس! إنّنا نعيذكم بالله، ونستحلفكم باسم الوطن الغالي لديكم وهو تونس أن تتوّحدّوا وأن تقوموا قومة رجل واحد لصدّ أنواع المكائد والمؤامرات المحدقة بتونس لتكونوا كما يقول الشاعر العربي:
وكونوا حائطًا لا صدع فيه ***** وصفًا لا يرقّع بالكسالى
إنّ تونس أمانة الزيتونة في أعناقكم ودم البو… في ضمائركم، وعهد الوطن في ذمتكم، فوحدّوا صفوفكم! وانبذوا خلافاتكم، والتفوا حول قيادتكم التي انتخبتموها بمحض إرادتكم لتفوِّتوا الفرصة على أعداء تونس وأعدائكم. إنّ الرجال يذهبون، والحكام يموتون أو يعزلون، ولكن تونس التاريخ هي العاقبة، فسجلّوا في صفحات تاريخها جميل الذكر، وليكن شعاركم _علميا- نموت، نموت، وتحيا تونس. واسلمي يا تونس.. اسلمي على المدى! فلا عاش في تونس من خانها!.