الرأي

“والله مخرج ما كنتم تكتمون”

أكثر المسلمين اتخذوا القرآن مهجورا، وإن زعموا أنهم يؤمنون به، وكثير منهم يقرأونه ويكتفون بقراءة حروفه وكلماته ولا يتدبرون معانيه، وأكثر هذا القسم من المسلمين ـ وإن قرأوا القرآن الكريم وتدبروا آياته وتأملوا أفكاره ـ فإنهم لا يقيمونه، ومن أجمل ما قاله الإمام الإبراهيمي: “يا أهل القرآن لستم على شيء حتى تقيموا القرآن”… والقلة القليلة من المسلمين هم الذين يقرأون القرآن الكريم ويتدبرون آياته، ويتفكرون فيه، ويحرصون – ما استطاعوا – على تطبيقه، ويتعظون مما فيه من الآيات والمثُلات.. نسأل الله ـ عز وجل – أن يجعلنا منهم.

وقد ورد أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كان يعلم صحابته – رضي الله عنهم- عشر آيات، فإذا حفظوها، ووعوا معانيها، وعملوا بما فيها – نهيا وأمرا- تجاوزها إلى عشر أخريات… وهكذا جاء ذلك الجيل الفريد الذي أقام القرآن الكريم، فآتاه الله العزة والكرامة والسيادة.. وقد شهد له الرسول الكريم – عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- بالخيرية في الحديث المشهور القائل: “خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم…”.

من الناس من يستحوذ عليهم شياطينهم، ويزين لهم قرناؤهم من الإنس والجن إيتاء المنكرات، وارتكاب الموبقات إلى درجة إزهاق الأرواح البريئة… ثم تتوالى الأيام والأعوام فيظن أولئك المجرمون أن الناس قد نسوا ما ارتكبوه من جرائم، وما اقترفوه من موبقات… فإذا الله –عز وجل – يهيئ الأسباب، ويجعلهم هم أنفسهم يتسببون برعونتهم في كشف ما  كانوا أحرص الناس على التستر عليه.. وقد أخبرنا الله –سبحانه وتعالى – في القرآن الكريم أنه مخرج ذلك المتكتم عليه، فقال مخاطبا المجرمين في كل زمان ومكان، ومنهم مجرمونا، : “والله مخرج ما كنتم تكتمون”. (سورة البقرة. الآية 72)، وجاء في الآية 64 من سورة التوبة قوله: “إن الله مخرج ما تحذرون”. وعلماؤنا – عليهم الرحمة والرضوان – يقولون إن العبرة في كثير من الآيات بعموم المعنى لا بخصوص السبب…

لقد قرأنا في الآونة الأخيرة كتابات، وسمعنا تصريحات لبعض “كبار” المسئولين ـ مدنيين وعسكريين – فرأينا العجب العجاب.. وبدأ بعضهم “يبرئ نفسه” من تلك الجرائم، ويرمي بها غيره، ويصور نفسه في صورة “ملاك” وغيره في صورة “شيطان”، والحقيقة أنهم جميعا شركاء في الجريمة، وإن تفاوتت يسب إجرامهم ولو كان الأمر إليهم لدفنوا تلك الجرائم في الأرض السابعة حتى لا يعلمها غيرهم، ولكن الله –عز وجل – أنطقهم، وقد قال أحدهم لأحدهم قبل وفاته “ظلمنا الناس”. لقد استهان بعض هؤلاء المسئولين بدماء الجزائريين وأعراضهم وأموالهم فارتكبوا ضدهم ما ارتكبه الفرنسيون من قبل، و”ظلم ذوي القربى أشد مضاضة…”.

لقد غرّ هؤلاء المسئولين “جاههم” وظنوا أن الله –عز وجل – لا يديل “دولهم” ولا يبدل أحوالهم ولو بظالمين أمثالهم، وقد “جهلوا” – وقد طُمس على عقولهم – أن مما يعجل الله – عز وجل – عقابه في الدنيا “الظلم”، وقد ظلموا كثيرا فسيدفعون الثمن في الدنيا، ويفضحهم الله فيها، وينتقم للمظلومين، ولخسران الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.. فاللهم لا ترحم من الظالمين والخائنين أحدا…

مقالات ذات صلة