الرأي

وحدة التيارات السياسية في ضوء تجربة حمس

محمد سليم قلالة
  • 5854
  • 0

عودة حزبي التغيير وحمس إلى خيار الوحدة وتجسيد ذلك على أرض الواقع، ينبغي أن يُنظَر إليه بالنسبة إلى التيارات السياسية الأخرى، ليس كحدث عابرٍ، إنما كمؤشر على ما ينبغي أن تكون عليه الخارطة السياسية في الجزائر مستقبلا، باعتبار أن التعددية لا تعني البتة أن يكون في البلاد عشرات الأحزاب، إنما اتجاهات كبيرة تُمثِّل مدارس سياسية وفكرية متنوعة تتنافس فيما بينها لأجل إقناع غالبية المواطنين بصحة خياراتها والعمل على تجسيدها على أرض الواقع بعيدا عن كل انقسام عَبَثي لا يعكس سوى الطموحات الشخصية والخلافات المصطنعة.

عشرات الأحزاب في الجزائر، تزيد عن الستين أحيانا، لا يعني أبدا أن هناك ستين فكرة وستين مشروعا سياسيا وستين حلا مقترحا لمستقبل البلاد، بقدر ما يعني أن هناك عشرات، إن لم أقل مئات، من الأفراد لديهم طموحات مختلفة وحسابات مختلفة يستخدمون الأحزاب كوسائل لتحقيقها أو مَنع الآخرين من تحقيق ما يريدون على حسابهم.

 بدت لي هذه الخلاصة مُعبِّرة عن الحقيقة أكثر مِن مَرّة وأنا أحاول البحث عن الفروق الجوهرية بين برامج الأحزاب السياسية المختلفة بالنسبة إلى التيار الذي تغلب عليه المرجعية الإسلامية، أو التيار الذي تغلب عليه المرجعية الغربية، أو التيار الذي يضع نفسه في الوسط باسم الوطنية. جميع التشكيلات المنتمية إلى هذه العائلات الثلاث إنما تختلف في جزئيات فيما بينها، وأحيانا لا نجد فَرقا يُذكر بين خطاب هذا أو ذاك لو قُمنا بفصل الحزب عن الشخص الأول الذي يمثله ولو إجرائيا.. لو قمنا بذلك سنكتشف في آخر المطاف ربما أننا لا نملك أحزابا بالمعنى الحقيقي للحزب، إنما نملك أجهزة بيروقراطية تتمحور حول أشخاص كان لهم السبق في ممارسة الحكم أو تأسيس هذه الجمعية السياسية أو تلك ثم ربطوا أنفسهم بالقدرة على تحقيق مصالح للأتباع، أحيانا تكون ضيِّقة إلى درجة أنها لا تحمل أي خلفية فكرية أسياسية.

لقد عشنا تجربة نحو 28 سنة من التعددية، وهي تجربة قصيرة في عمر الشعوب، ولكنها كافية لكي نستخلص منها العبرة اليوم: أننا لا يمكن أن نبقى بلد الستين حزبا وفي ذات الوقت بلا حزب حقيقي واحد ببرنامج واضح وأهداف لا علاقة لها بهذا الشخص أو ذاك. 

هذه الطبيعة الغالبة على الأحزاب السياسية في بلادنا، كَسَرتها اليوم حركتا مجتمع السلم والتغيير من خلال خيار الوحدة، حيث تجاوز القياديان عبد الرزاق مقري وعبد المجيد مناصرة مسألة ربط الحزب بشخصيهما إلى ربط الحزب بالفكرة الأساسية التي من أجلها تأسس بداية، باعتباره قبل أن يكون حزبا سياسيا كان يُمثِّل مدرسة فكرية وتربوية وأخلاقية نواتها الأولى كانت جمعية الإرشاد والإصلاح التي كانت ومازالت جمعية غير سياسية لها رموزها وشهداؤها وعلى رأسهم المرحوم الشيخ محمد بوسليماني والأستاذ الفذ لحسن بن سعد الله- رحمهما الله- اللذان غدرت بهما يد الإرهاب في زمن متقارب، بالإضافة إلى عددٍ كبير من الشهداء والمناضلين الذين لا يسع المجال هنا لذكرهم.

بهذه الخطوة، تكسب حركة مجتمع السلم “حمس” السبق على غيرها من الأحزاب السياسية الأخرى التي مازالت منقسِمة على ذاتها، سواء أكانت ضمن ما يُعرَف بالتيار الوطني أم الديمقراطي، وتُبيِّن أنها امتلكت القيادة السياسية الواعية التي تستطيع أن تخوض معارك انتخابية في المستقبل وتتفوق فيها. ولعلي أتوقع أنه لو يتم توسعة هذا المسعى إلى باقي الأحزاب المنتمية إلى ذات المدرسة وإلى باقي الرموز الثقافية والفكرية والإعلامية القريبة منها لشكلت قطبا متماسكا يكون له الوزن الكبير في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ويمكِنها أن تُنافس بجدارة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2019.

وعليه، فإن الدرس الذي ينبغي استخلاصه اليوم مما جرى بين فصيلين متقاربين في المنبع الفكري والخط السياسي، يتمثل في حاجتنا إلى تقارب كافة الفصائل الأخرى المنتمية إلى ذات المدرسة، من بعضها البعض. إنني لا أرى فرقا جوهريا بين حزب القوى الاشتراكية والتجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال، كما لا أرى فرقا جوهريا بين حزب جبهة التحرير الوطني وطلائع الحريات والتجمع الوطني الديمقراطي والفجر الجديد والجبهة الوطنية الجزائرية، إذا ما حاولنا النظر إليها من خلال المرجعيات الفكرية والسياسية التي تعتمد عليها نظريا، ذلك أن الكل يعلم أنه لولا الصراعات بين الأفراد والمجموعات في أعلى هرم السلطة، والخلافات الشخصية بينها، ومحاولة كل فئة خلق جهاز انتخابي تابع إليها، لما وُجدت هذه الأحزاب بالشكل الذي هي عليه الآن، ولَمَا أصبح بعضها في السلطة والآخر في المعارضة.

ولعل هذا ما يجعلنا نؤكد مرة أخرى أن ما حدث بين حمس والتغيير ينبغي تثمينه والاقتداء به لدى التيارات السياسية الاخرى، ذلك أننا في حاجة مستقبلا إلى خارطة سياسية أقل تشتُّتا مما هي عليه الآن، وفي حاجة إلى تربية الأجيال الصاعدة على ثقافة سياسية قائمة على الانتماء إلى الأفكار وليس عبادة الأشخاص أو البحث عن المصالح الضيقة والآنية وربط الخيارات السياسية بتلبية حاجة اللحظة الراهنة بغض النظر عن الإيمان بالفكرة التي خلفها أو بوجودها من عدمه.

لقد عشنا تجربة نحو 28 سنة من التعددية، وهي تجربة قصيرة في عمر الشعوب، ولكنها كافية لكي نستخلص منها العبرة اليوم: أننا لا يمكن أن نبقى بلد الستين حزبا وفي ذات الوقت بلا حزب حقيقي واحد ببرنامج واضح وأهداف لا علاقة لها بهذا الشخص أو ذاك. في تقديري، إنه على بقية الأحزاب المتقاربة أن تُدمج نفسها في حزب واحد لكي تتضح الصورة لدى المواطنين ونُمكِّنَهم من الاختيار الصحيح، بعيدا عن التشتت أو سياسة اللاّموقف أو التناقض التي نلاحظها الآن. لقد أثبتت التجربة الحالية التي نعيش أننا نجد الفرق بين الأحزاب في الفرق بين الأشخاص وليس في الفرق بين البرامج والأفكار، وإذا كنا في مرحلة معينة قد قبلنا بهذه الحال ولم نصل إلى هذه القناعة الجامعة، فعلينا الآن أن نُراجع أنفسنا بطريقة موضوعية، وعلى قيادات مختلف الأحزاب أن تُعبِّر ليس فقط عن استعدادها للتكتل لإدارة حملةٍ انتخابية معيَّنة وتحقيق بعض النتائج، إنما لحلِّ نفسها والاندماج في الأخرى الأقرب إليها، وإن اقتضى الأمر انتخاب قيادات جديدة على هذا الأساس.

يبدو لي هذا مخرجا مستقبليا مقبولا لخارطتنا السياسية إذا كُنَّا نُريد لها أن تتشكل بطريقة صحيحة، وأن تتنافس مكوِّناتها بطريقة قانونية وحضارية وشريفة. ولا أجد في الأخير إلا أن أوجِّه التحية إلى الأخ عبد المجيد مناصرة على قبوله حل حزبه رسميا، وإلى الأخ عبد الرزاق مقري على قبوله التنازل عن قيادة الحركة الأم، ففي ذلك درس حقيقي لكافة الأحزاب، لأنه ليس من السهل أبدا أن تقوم بهذه الخطوة، لولا بُعد النظر وتغليب الفكرة على التنظيم، والبرنامج على المصالح الشخصية.

مقالات ذات صلة