ورقة طريق لاستراتيجية الأمن المائي في الجزائر
من البديهي أننا ندرك حجم القيود والتحديات التي تواجهها الجزائر والتي ازدادت تفاقما بسبب آثار تغير المناخ خلال العقد الماضي، وكذا انخفاض معدلات تساقط الأمطار إذ أنها أصبحت تقل عن 300 ملم/سنويا بالمناطق الغربية، بينما تتراوح بين 650 إلى 800 ملم/سنويا بالوسط وبالجهة الشرقية من البلاد ويسود مناخ شبه جاف في الشمال، إلى جاف في الهضاب والصحراء إذ نسجل قيمة تتراوح بين 150 و300 ملم/سنويا مع تسجيل تباين شديد في كميات الأمطار بنسبة تتراوح بين 30% و80% على المستوى المكاني، هذا من جهة.من جهة أخرى، نسجل انخفاضا حادا في احتياطي مياه السدود اعتبارا من سنة 2020، حيث يبلغ حجم المياه القابلة للاستغلال في السدود عند نهاية شهر أغسطس، نحو 2.3 مليار متر مكعب، أي 30% وهي نسبة ثابتة خلال الأعوام 2023 و2024 و2025، على عكس عامي 2018 و2019 حيث كان معدل منسوب المياه خلال نفس الفترة، أكثر من إيجابي إذ بلغ حوالي 54% أي ما يعادل سعة بقدر 3.5 مليار متر مكعب وهذا دون إغفال ظاهرة التبخر الكبيرة بقيم تتراوح بين 1200 و1500 ملم /سنة في بعض المناطق الداخلية، لاسيما في الصحراء.
بطبيعة الحال، تسببت هذه العوامل السالفة الذكر في إحداث إجهاد مائي مزمن تمثل في انخفاض نسبة مخصصات المياه للفرد الواحد سنويا إذ نسجل كمية سنوية تقل عن 300 متر مكعب سنويا للفرد الواحد وهي نسبة ضعيفة مقارنة بالعتبة الموصى بها من قبل الأمم المتحدة بمقياس 1000 م3 مكعب سنويا للفرد الواحد.
يضاف إلى هذه القيود والعوائق عوامل أخرى لا تقل تأثيرا عن سابقتها وتتمثل في التحديات البنيوية على غرار قدم وضعف فعالية بعض شبكات التوزيع، مما أدى إلى ارتفاع نسبة كميات هدر للمياه الضائعة ببعض المدن إذ بلغت الخسائر نسبة 40% في بعض المناطق، لاسيما بالمدن الساحلية التي تزود بمياه البحر المحلاة مع تسجيل انقطاعات متكررة في الخدمة وضياع كميات معتبرة من المياه والمقدرة بـ35% .
يحدث هذا رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها السلطات العمومية في إطار إنجاز برامجها الرامية إلى تحسين الخدمة العمومية لمياه الشرب والصرف الصحي. فقد تجاوزت عملية توصيل المنزل بالشبكة نسبة 95% لكن معالجة مياه الصرف الصحي لم تبلغ بعد الأهداف المسطرة في البرنامج الوطني للماء بالرغم من كل الجهود التي تبذلها السلطات العمومية منذ الاستقلال، حيث إنه لا يتم معالجة سوى 40% من مياه الصرف الصحي مما حال دون الاستغلال الأمثل والمستدام لهذه الثروة وتسبب في فقدان مورد إضافي مربح من شأنه أن يعزز المرونة من خلال استخدامه في مجالات الري الفلاحي وضمن إطار تنظمي يعزز الاستعمالات للمياه المصفاة وفق المعمول الدولية المعمول بها.
من ناحية أخرى، تجدر الإشارة أن استمرار الضغط البشري الناجم عن النمو الديمغرافي حيث سيصل تعداد السكان الى أكثر من 50 مليون نسمة مع حلول سنة 2030، مما يقتضي توفير احتياجات إضافية ماسة من مياه الشرب، تلبية لاحتياجات الساكنة إذ سيبلغ سقف الإنتاج تمكنا إلى من 9,3 مليون م3 مكعب يوميا، أي المخصصات لتغطية الاحتياجات والمقررة للفرد الواحد بمقدار150 لتر مكعب يوميا ونسبة التسربات للمياه لا تفوق20 %.
واستشراف التزايد السكاني مع تطور النسيج الحضري بسرعة من المحتمل أن يصل إلى نسبة 75% من مجموع الساكنة بالمناطق الحضرية. كما لا يفوتنا ا ننوه بضرورة إمداد قطاع الزراعة بكميات المياه الضرورية والمنتظمة التي من شأنها أن تدفع بعجلة الإنتاج وتعمل على تنويع العائدات للنشاط الاقتصادي قصد الحد من الاستيراد وكذا التقليل من التبعية لعائدات المحروقات.
كل هذا يدفع بنا للقول بكل تأكيد أنه قد بات من الضروري إقحام نهج علمي وتكنولوجي حديث يعمل على الاستغلال الفعال والمستمر والمحين للموارد المائية المتجددة وغير العادية الكفيلة بتحقيق التنمية والسيادة الوطنية في ظل التحولات الجيواستراتيجية التي يعرفها العالم اليوم.
ما هو دور ومساهمة الجامعة في رفع تحدي مكافحة الإجهاد المائي؟
بالنظر لهذه القيود والتحديات، أعتقد أنه قد بات من الضروري على الجامعة ومن خلال مهامها المنوطة بها، أن تعبئ إمكاناتها البشرية وتنظم لأجل وضع استراتيجية وطنية ذات أهداف وأبعاد قابلة للتحقيق والقياس تهدف من خلالها إلى المساهمة الفعالة في وضع استراتيجية ناجعة تضمن الأمن المائي من خلال البحث العلمي والابتكار التكنولوجي والقدرة على الصول في تطوير المستدام للمياه من أجل تحقيق أسباب العيش والرفاهية والتنمية الاجتماعية للمواطن. وهذا بفضل التركيز على النقاط الأساسية التالية: 1/ توفير وتنويع الموارد المائية، 2/ تحسين البنية وامكانات الوصول إليها، 3/ تطوير نوعية مياه الشرب من خلال الامتثال إلى المعايير الصحية والبيئية الصارمة، 4 / تحقيق موثوقية لأنظمة التسيير وقدرتها على الصمود واستمرارية التشغيل مع استدامة من خلال الحفاظ على المياه من أشكال التلوث وكذا التطوير لأساليب التسيير والإدارة لضمان المورد المائي للأجيال القادمة.
في هذا السياق، تلعب شبكة المؤسسات الجامعية والبحثية العلمية من مراكز بحث ووكالات موضوعاتي دورا مهما لتعزيز البحث عن المعرفة والعلوم في إطار إدراج مشاريع ومواضيع بحثية ذات صلة بالاستراتيجيات الوطنية للماء على سبيل الذكر البرنامج الوطني للبحث العلمي وغيرها من الفرص المتاحة في المشاركات في البرامج التعاون الدولية والإقليمية مثل برنامج بريما (PRIMA) وشراكة للبحث والابتكار في البحر الأبيض المتوسط (PRIMA) والشبكة الأوروبية للتعاون في البحث والابتكار في منطقة البحر الأبيض المتوسط (ERANET-MED)، وبرنامج المياه والزارعة والاستدامة في منطقة البحر المتوسط (MIRA) وهما عبارة عن مبادرة لتعزيز التعاون العلمي في منطقة البحر الأبيض المتوسط… الخ.
كما يجب أن تلح جميع فرص البحث وعروض التكوين في الهندسة وعلوم المياه على الموضوعات المهمة ذات الصلة بتعزيز قدرات الإنتاج وتثمين المورد المائي لاسيما عن طريق استغلال البيانات الضخمة المتعلقة الموارد الأحفورية والمياه الجوفية وكذا المياه السطحية بالاستعانة بالقياسات والتقنيات الاستشعار عن بعد وأجهزة الاستشعار الذكية، وانترنت الأشياء والاستعانة بطرق وخوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم الالي واستخدام تقنيات الصيانة التنبئية مع سلسلة الكتل والتي تسمح بالتتبع والحوكمة ذات الفضل نجاعة.
إن استخدام العلوم والتقنيات الحديثة من شأنه الحد من ضياع المياه في قنوات الجر والشبكات للتوزيع ووضع اهداف طموحة لمجابهة الاجهاد المائي ضمن المخطط الوطني للماء قصد الوصول الى خفض نسبة هدر المياه الى 20%قبل سنة2030 على ان تخفض في بعض المناطق الحضرية الى اقل من هذه النسبة في افاق عام 2035 .
تطوير النظام البيئي الابتكاري لحل المشكلات العالقة
في هذا السياق، يتعين على الجامعة التفكير في ابتكار خدمات وتقنيات الكشف عن التسربات وتطوير المواد وتقنيات إنتاج ومعالجة المياه وتحويلها والعمل على التطوير في مجال النانو تكنولوجيا وتكنولوجيات الحيوية لمعالجة مشاكل تنقية المياه وترشيحها وهذا للوصول انشاء صناعة وطنية او انشاء شركات مشتركة في إطار التعاون مع الدول الصديقة ومن الضروري التفكير في انشاء معهد وطني مهامه تطوير وصناعة المياه المحلات والاستعانة بتقنيات المبتكرة والتي تعتمد على الذكاء الاصطناعي كالأغشية الذكية وتطوير تقنيات التحلية الهجينة لمياه البحر (تقنيات الأعشية -الحرارية)لضمان مرونة وكفاءة الطاقة لأنظمة انتاج المياه الشروب.
وفي هذا المنظور، أود أن اذكر بالقرار الجدير بالتقدير الذي اتخذته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالشروع في التوعية والتكوين من خلال الإطار القانوني المتمثل في القرار الوزاري رقم 1275 المؤرخ في 28 سبتمبر 2022 الذي يهدف الى تشجيع الطلاب في نهاية مسار التكوين على تبني المشاريع المبتكرة وانشاء الشركات الناشئة او المؤسسات الناشئة ليتبع ذلك الاجراء بإدراج دراسة الذكاء الاصطناعي في عروض وبرامج التكوين الجامعي مما يتيح استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات والبيئة التحتية، ولاسيما الإدارة الذكية للشبكات المياه والتهيئة الهيدروليكية مما يعود بالفائدة في التسيير والاستغلال للمياه وهذا بالتقليل من نسبة هدر المياه. وهذا باستخدام منصات تفاعلية ذات واجهات ذكية مثل تقنيات Chatbot متعدد اللغات: العربية، الامازيغية وإنجليزية وغيرها، وكذا توفير خدمات الاستفسار عن الفواتير وتقديم توقعات للفواتير من خلال تقديرات الشهرية للاستهلاك بالاستناد إلى سلوكيات المستعملين.
معالم استراتيجية مبتكرة لإدارة المياه ومسؤولة من خلال تغير العادات
وتتمثل هذه الاستراتيجية في وضع خطة عمل وطنية شاملة تمتد على مدى أربع سنوات، بالتشاور بين قطاع المياه والقطاعات الأخرى المعنية بمسألة الموارد المائية وتستند هذه الاستراتيجية على المحاور التالية:
المحور 1: التنبؤ والتوقع
– تركيب أنظمة الإنذار المبكر بالجفاف/الفيضانات من خلال الدراسات البحثية.
– نمذجة الموارد الجوفية من المياه التي لا تتجدد والمتجددة باستخدام أساليب التعلم الآلي.
– توقع الطلب حسب الاستخدام: المنزلي والزراعي والصناعي عبر التعلم العميق.
المحور 2: تحسين البنى التحتية
– تركيب نظام الشبكات الذكية للمياه في خمس مدن ذات الاستهلاك الواسع للمياه
– تعميم أنظمة إدارة المياه (Water Management Systems) من خلال دمج أنظمة مراقبة وتعميم استغلال وجمع البيانات (SCADA) وأنظمة المعلومات الجغرافية (GIS) المقترنة بالنمذجة الهيدروليكية.
– إنشاء منصة تجريبية لإدارة الموارد المائية في الوقت الفعلي من خلال لوحات تحكم تستخدم كأداة للمساعدة في اتخاذ القرارات الانية والفعلية في تحسين الخدمة وديمومتاها، مزودة بأنظمة ذكاء اصطناعي من نوع (Large Language Models LLMS)، مما يوفر فرصًا كبيرة لتحسين خدمات القطاع ومستوى الأداء للخدمة والتدخل وكذا الإجراءات اللازمة التي يتعين اتخاذها.
– تطبيق الصيانة التنبؤية للمعدات على أساس النماذج الذكية في مصانع تحلية المياه والسدود الكبيرة المخصصة لمياه الشرب.
– استخدام التوائم الرقمية (Digital Twin) لأنظمة الربط بين السدود.
المحور 3: الخدمات الذكية لفائدة المشتركين
– استخدام التطبيقات التي تهدف إلى إدارة المياه الشخصية.
– روبوتات الدردشة متعددة اللغات: خدمة الزبائن من أجل توجيه وتوعية أفضل لترشيد استعمالات المياه.
– تشجيع استخدام آليات الألعاب لتحفيز السلوكيات الموفرة للمياه “تحفيز توفير المياه من خلال الألعاب”.
المحور 4: ابتكار المواد المستعملة في الانتاج واستخدام الطاقات المتجددة
– تطوير الأبحاث في مجال الأغشية النانوية المصممة بالذكاء الاصطناعي.
– تطوير الشركات الناشئة في مجال تصنيع أجهزة الاستشعار.
– تطوير التقنيات المتعلقة بالمواد الحيوية ومعالجة مياه الصرف الصحي.
– تطوير تحلية مياه البحر باستخدام تقنيات هجينة عن طريق التقطير والضغط الحراري والتناضح العكسي، واستخدام الطاقة الشمسية في التحلية للمياه.
من المهم أن يتطلب إنجاز مثل هذا البرنامج رصد موارد مالية يمكن تحديدها وفقًا للأهداف المحددة. يجب أن تتضمن خطة العمل تقييمًا نصف سنويًا لتحديد أهداف يتم وضعها على أساس مؤشرات الأداء الرئيسية (Key Performance Indicators: KPI) القابلة للقياس الكمي، على سبيل المثال:
– متوسط الإجهاد المائي: رفع مخصصات المياه للفرد سنويًا إلى 400م3/فرد/سنة (بدلاً من 280 م3/فرد/سنة حاليًا).
– تنويع موارد مياه الشرب إلى أكثر من 70% من المياه غير التقليدية، أي المياه المُحلاة (مقابل40%).
– زيادة قدرة إعادة استخدام المياه المعالجة في الري إلى أكثر من 40% في سنة 2027 وإلى 60% في آفاق 2030 مقارنة بالمعدل الحالي الذي لا يتجاوز 12%.
– بلوغ تسجيل براءات الاختراع المسجلة في مجال المياه إلى أكثر من 50 براءة اختراع سنويًا.
– تفعيل الإجراءات لإنشاء الشركات الناشئة لتسيير الخدمات إلى وحدة 100 سنويًا.
ومن الممكن تجسيد البرنامج على المدى القصير من خلال إنشاء مشاريع نموذجية تعنى بالأحياء السكانية الكبرى المتمثلة في برامج عدل والقرى وغيرها.
إن نجاح هذا البرنامج يتطلب إرادة سياسية فعالة والتزامًا مسؤولا مع إرادة راسخة لتحقيق الأهداف المحددة بفضل تشاور جميع الأطراف المعنية، ومشاركة المجتمع العلمي، وتأييد المواطنين.