وزراء ينسحبون خلسة ونواب خارج مجال التغطية
لم تختلف الأجواء والظروف التي أحاطت بعرض ومناقشة مخطط عمل الحكومة عن أجواء المناقشة القديمة، فرغم أن المواجهة التي بدأت أمس، وتمتد الى 5 أيام كاملة تجمع فريقين جديدين سواء من جانب الحكومة التي استلمت للتو مهامها أو من جانب نزلاء مبنى زيغوت يوسف، إلا أن المتابع لجلسة افتتاح النقاش لا يشعر بالتغيير لا في شكل الأشغال ولا في مضمونها، بقدر ما يستحضر مشاهد مرت عليه من قبل وكأن التاريخ لم يسجل في الـ10 ماي انتخابات تشريعية كما لم يسجل في 4 سبتمبر تغييرا حكوميا.
فالمتابع أمس، لجلسة عرض ومناقشة مخطط عمل الحكومة، وأغفل تاريخ الـ10 ماي الماضي، يخال له أن قاطني المجلس الشعبي الوطني من النواب لم يستبدلوا، فخطاب النواب ومداخلاتهم بقيت عند نفس مستوى ومضمون تدخلات العهدة التشريعية الماضية، فالمشهد العام لتدخلات النواب يؤكد أن هؤلاء عزموا أن لا يفوتوا فرصة مناقشة مخطط الحكومة، دون خطابات استعراضية، توهم المتابع لها أنهم على عهد منتخبيهم باقون، فرغم أن المكان والزمان يقول أن الموعد مع مناقشة مشروع عام ومخطط عمل وطني، إلا أن نوابا كثر فضلوا النزول بالنقاش الى المستوى المحلي، ومن تقارير وشكاوى عن فساد ولاة فضل النواب أن تكون على المكشوف والمباشر، الى معاناة مواطنين في المداشر والقرى حاد النواب عن مخطط الحكومة وأغفلوا أن الأمر يخص مرحلة 20 شهرا من التسيير، واكتفى كل نائب “بالغناء على ليلاه “.
كما شكلت قبة البرلمان أمس، حلبة مفتوحة بين أحزاب السلطة والمعارضة، فإن فضلت أحزاب المعارضة استغلال البث المباشر للجلسات عبر التلفزيون للترويج لمعارضتها واستعراض عضلاتها بمناسبة مناقشة مخطط عمل الحكومة، فقد اتخذ نواب أحزاب السلطة من القرع على الطاولات أسلوبا للتشويش على التدخلات المعارضة والمنتقدة للوضع العام للبلاد، ووفق منطق “يأكل الغلة ويسب الملة” لم يتوان عدد من النواب “شيطنة” تشريعيات الـ10 ماي رغم أنها كانت الجسر الذي أوصلهم الى النيابة البرلمانية، ومكنتهم من راتب شهري القليل منهم فقط كان ليحلم به .
وغير بعيد عن قبة البرلمان، وببهو المجلس كانت الفوضى العارمة سيدة المشهد، فيبدو أن رفع تعداد مقاعد المجلس ساهم مساهمة فعالة في هذه الفوضى، كما ساهم الحضور القوي للإعلام وظهور قنوات تلفزيونية خاصة أغرت النواب والوزراء معا في انتشار الفوضى، التي كانت تمتد أحيانا الى داخل القاعة المغلقة، فهذا رئيس الكتلة البرلمانية لجبهة القوى الاشتراكية يخاطب كاميرات القنوات الخاصة بخطاب عمره نصف قرن عن ضرورة التغيير السلمي للحكم، وغير بعيد عن ممثل الأفافاس نجد ممثل حزب العمال رمضان تعزيبت، ووفق منطق شد العصا من الوسط يبارك المتحدث مخطط عبد المالك سلال، ويذكر ببعض محاور عمل الحكومة التي يعتقد أنها نتاج معارك حزبه كقاعدة الـ51–49.
“الشروق” رصدت أيضا عددا كبيرا من النواب يدلون بتصريحات لم تنته، ووزراء جددا يبحثون عن المجد والشهرة عبر عدسات وكاميرات الإعلام، فكاتب الدولة بشير مصيطفى، وزع عددا كبيرا من بطاقات الزيارة، كما وزع ابتسامات عريضة هنا وهناك تضمن له الحضور الإعلامي، فيما لم يتعب كاتب الدولة المكلف بالشباب بلقاسم ملاح، من القاء التحايا وتوزيع القبلات.
وزير الصناعة الشريف رحماني، انسحب من الجلسة بمجرد بداية تدخلات النواب، وكي لا ينتبه لانسحابه أحد تكفل بنقل حقيبته من الجلسة أحد معاونيه، وفرضت زيارة وزير التجارة الفرنسية على وزير التجارة مصطفى بن بادة، مغادرة جلسة النقاش، أما وزير الصحة عبد العزيز زياري، رئيس المجلس الشعبي الوطني السابق فشكل حديث العام والخاص وكيف أن عجلة الحياة تدور، فأنزلته من منصة رئيس المجلس الشعبي الى الصف الثاني من تشكيلة الحكومة.
أما عمار تو وزير النقل قضى من الوقت في بهو المجلس أكثر مما قضاه داخل الجلسة، وحديث الكواليس والتصريحات الإعلامية بدا أكثر أهمية عند عمار تو من مداخلات النواب.
أما عمارة بن يونس، وزير البيئة والمدينة، فيبدو أنه حظي بتحضير بدني جيد قبل التحاقه بالحكومة، فالعائد إلى الجهاز التنفيذي بعد 12 سنة من الغياب لم يبخل في التصريح، هذه التصريحات أظهرت أن الرجل يتحدث دوما بلسان السياسي، لدرجة أنه كل من استمع إليه وهو يشرح المخطط الوطني للنظافة، يفهم أن الرجل لا يثق في إرادة الحكومة ضمن هذا المسعي.
الوزير الأول عبد المالك سلال ووزير الداخلية دحو ولد قابلية، الذي كان على يساره لم تنقطع قنوات الاتصال بينهما طيلة جلسة المناقشة، ففي كل مرة كان الرجلان يربطان الاتصال بأحاديث جانبية جمعتهما، أما عمر غول وزير الأشغال العمومية فيبدو أن تركيزه على العمل السياسي وبناء حزبه “تاج” جعله ينزع الى الخطاب السياسي، فالوزير الذي كان يتحاشى الخوض في الشؤون السياسية، شكـّل الدفاع عن مخطط الحكومة طريقه السيار، ووفق منطق السياسي المعاصر ترجّل غول على طول شارع زيغوت يوسف دون حرس خاص، في مشهد لم يعهده المواطن الجزائري عند رجالات السياسة.