وسقطت آخر ورقة توت عن حنون ..!
لطالما أثارت لويزة حنون الحيرة والاستغراب بمواقفها المتقلبة، من السلطة والمعارضة، وصنعت الجدل بخطاب مزدوج، وصفه البعض بـ”النفاق السياسي”، لكنّ زعيمة حزب العمال لا تجد حرجا في تبريره، ثم الدفاع عن نقيضه لاحقا، حصل ذلك منذ مطلع التعددية في البلاد، نهاية الثمانينات من القرن الفائت.
بيد أنّ الأخطر في أدبيات التروتسكية الجزائرية، هو خصومتها الدائمة مع مقومات الأمة، حتى صار الشائع بين المواطنين”لتجدّن أشد النّاس عداوة للإسلام والعربية في الجزائر، حنون والذين معها من العلمانيين”، فهي ما فتئت تتجرّأ على أحكام الشريعة الإسلامية، بشكل سافر، وتجاهر بالاعتراض عليها دون هوادة، حتى لو تعلقت بأدقّ الخصوصيات الدينية والاجتماعية للشعب الجزائري، والتي ارتضاها المسلمون من منطلق الإيمان بالعقيدة، بعيدا عن المذاهب الإيديولوجية أو الولاءات السياسية.
فلو عدنا قليلا بالذاكرة إلى الوراء، لوقفنا على عديد الاستفزازات الشاهدة على علاقة هذه السيدة بمقومات الهوية الوطنية، فهي التي هاجمت بشراسة المعارضين لنزع الخمار وحلق اللحية، في صور جوازات السفر الالكترونية، واصفة إياهم بـ”طالبان الجدد”، وادّعت أنهم “جاؤوا بديانة جديدة”، منتقدة رفضهم إجراءات وزارة الداخلية، بل زعمت أنهم “قلة” ولا يمثلون جميع المواطنين، قبل أن تطالب الحكومة بسنّ قوانين تجرّم “التكفير”، وذلك على خلفية الانتقادات التي طالت موقفها العدائي، ليس تجاه الإسلام فقط، بل في حق الحريات الشخصية التي تدّعي حنون، ومَن على شاكلتها، النضال لتكريسها.
لكن لم يمض وقت طويل، حتى فضحت الأيام نواياها المبيّتة، ففي الحادثة الشهيرة لمنع طالبة جامعية خلال الموسم الفائت، من دخول الحرم الجامعي، بسبب ارتدائها للباس فاضح، ينافي القوانين المعمول في التزام الآداب العامّة، انتصبت حنون تدافع عنها، بحجة الحريات الفردية، معتبرة ذلك تعديا على الحياة الخاصّة التي يضمنها الدستور، وهي التي أنكرتها قبل سنوات، حينما تعلّق الأمر بوضع الخمار وإعفاء اللحية في صور بطاقات التعريف!.
أمّا موقف حنون من قانون الأسرة الجزائري، فهو أشهر من نار على علم، فالمرأة اللائكية “تحارب” لإجهاض القانون منذ منتصف الثمانينات، وهي التي وصفته مرارا وتكرارا بـ”الرجعي” و”المتخلف” و “الظالم” للمرأة، لأنه مستمدّ في عمومه من قواعد الشريعة السمحاء، لكنّ حنون تطالب بـ”المساواة” في الميراث، وترفض التضييق على الخلع، حفاظا على استقرار الأسرة، كون العصمة في يد الرجل، وهي بكلّ تأكيد، لا يرضيها اشتراط الولّي في الزواج، لأنّ مثل هذه الأحكام تنافي- في مذهب التروتسكيين- شروط المساواة بين الجنسين، دون أدنى اعتبار لمبادئ العقيدة والشريعة السماويّة.
مواقف حنون لم تتوقف عند حدود الرفض لقواعد محدّدة من قوانين الأحوال الشخصية، بل ذهبت مباشرة للإفصاح عن عقيدتها الفكرية، إذ أعلنت أنه “لا يمكن أن نلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية ونحن في 2015”، وهو نفس الموقف من قبل، مع قضية الإعدام، حيث وصفت الداعين للإبقاء على تنفيذ هذا الحكم في حالات القصاص الشرعي، بـ”المتوحشين”، ما دفع وقتها المجلس الإسلامي الأعلى للردّ عليها، في بيان إعلامي ساخن، اتهمها بـمعاداة الدين الإسلامي، وقال الشيخ بوعمران عنها “السيدة تزعم أن زمن تطبيق الشريعة الإسلامية قد ولى، وذلك يعني عداوة الدين”، مضيفا في بيانه المذكور”حنون حرة في عقيدتها، ولكن ليس لها الحق في أن تهاجم الإسلام والمسلمين بطريقة عدوانية، وإن كانت قد عوّدتنا على مواقفها المعادية للإسلام، سواء ما تعلق بعقوبة الإعدام أو قانون الأسرة”، ولعلّه من غريب الصدف، أن وزير التجارة السابق عمارة بن يونس، الذي لقي قرار إبعاده من الحكومة ارتياحا عريضا لدى الرأي العام، بسبب تحريره تجارة الخمور بالتجزئة، لم يجد من يواسيه ويدافع عنه، سوى لويزة حنون، مع أنها فتحت عليه النار في 2012، حينما كان على رأس وزارة البيئة، بل اتهمته بأنه “رأسمالي متطرف يخدم المصالح الاقتصادية الأجنبية، ويدعو إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل”!.
أمّا “حرب الفساد” التي خاضتها بشراسة ضد وزيرة الثقافة المغادرة نادية لعبيدي، فلم تكن برأي العارفين سوى “معركة بالوكالة”، دشّنتها زعيمة حزب العمال وفاء لصديقتها خليدة تومي، ودفاعًا عن وجود لوبيات نافذة، تمثّل مصالح الطرفين فكريّا وماديّا، لتعكس مدى انتصارها لإيديولوجيتها الراسخة، سواء تجسّد ذلك في الترويج للأفكار أو حماية الأشخاص، واليوم تأتي مشكلة العامية، لتسقط آخر ورقة توت عن حنون، وتكشف عن سوءتها القبيحة، فالجهة الوحيدة التي هلّلت لاعتماد الدارجة في التعليم، بل اعتبرتها طريقا للتقدم والازدهار، هي حزب العمال، في حين سكت أكثر خصوم العربية تطرّفا، ولم يساندوا بن غبريط في مسعاها المشبوه، لأنّ حنون التي ترافع وفق “مبدأ التقية”، عن تخليص المدرسة من التجاذبات الإيديولوجية، هي أكثر الساعين لإغراق المجتمع في وحل التغريب ومستنقع الانحلال، عبر مواقفها وقناعاتها المناقضة لقيم الانتماء الحضاري للأمة.
ومثل هذا الشذوذ، ليس غريبا على حنون، لمن يعرف أدبياتها ومسارها، فهي لم تتوقف يوما عن المطالبة بفرض الأمازيغية على كلّ الجزائريين، لكنها لم تندّد ولو مرّة واحدة، بحال اللغة العربية في البلاد أمام تغوّل الفرنسية في المحيط الرسمي على الأقلّ.
طبعا لم يكن مطلوبا من سياسية تنحدر من “مدرسة الإلحاد”، وتغرف من مرجعيات تروتسكي وستالين، أن تقوم مدافعة عن الإسلام والعربية في الجزائر، لكنّ الواقع كشف مرارا أن هذه المرأة المخادعة، لطالما عزفت على وتر المشاعر، لتدغدغ عواطف الجماهير، حتى امتدحها يومًا، رجل كاريزمي من قادة التيار الإسلامي عام 1991، وهو يقدح في بعض رفاق الدعوة الآخرين، فقال عنها “عائشة خير من عيّاش”، فهل تراه بعد ربع قرن، ما زال على حكمه الأول، وقد كشّرت صاحبته عن أنيابها الحاقدة على دين الشعب ولسانه، في أكثر من مناسبة!.
القضية مع حنون لا تتعلق فقط بمواقفها المبدئية المسيئة لمقومات الأمة، بل حتى خياراتها السياسية الكبرى محلّ ريبة وشكوك، فهي تبطن ما لا تظهر، ويبقى خطابها تجاه ملفّ المصالحة الوطنية خير دليل على ذلك، فهي لم تتكلم يوما عن الموضوع بهذه الخلفية، بل كانت كلّ تدخلاتها تصبّ في منحى “السلم والوئام”، والفرق واضح بينهما، لأنّ حنون تراوغ الشعب وتناور مع السلطة، ولا تريد أن يفتضح أمرها لدى الرأي العام، باللعب على المكشوف.
أمّا منتهى”المزاجية السياسية”، حتى لا نقول شيئا آخر، فهو موقفها من رئيس الجمهورية، فهي تترشح ضدّه في كل استحقاق رئاسي، لكنها ترفض معارضته علنًا، مثلما تنتقد وزراءه، بيد أنها تغضّ الطرف عن رئيس السلطة التنفيذية الأوّل، كأنّ أعضاء الحكومة سقطوا من السماء السابعة!.
حان الوقت، لتعلم حنّون أنه قد كان في مقدورها أن تكذب على بعض الشعب مرة، وربّما مرّات عديدة فيما مضى، أمّا الآن، فمستحيل أن تستمرّ في كذبها على كل الشعب، وعلى مدار السنة!.