وفاة السيدة ربعية التي حفظت القرآن واجتازت البكالوريا في سن الــ75
توفيت الحاجة ربعية فراق الاثنين، بعد أن حققت حلم حياتها، من خلال حفظ كتاب الله، في سن الـ75 سنة، واجتيازها شهادة البكالوريا، في تحد خرافي للمرض الخبيث، الذي سكن بدنها منذ سنوات، وحوّل أزمتها إلى همّة، فواصلت تعليمها بمدرسة لحفظ وتدبر القرآن الكريم، وبمدارس محو الأمية بعد أن منعتها ظروف اجتماعية في زمن الاستعمار من مزاولة الدراسة، إلا أن إرادتها الفولاذية مكّنتها من تجاوز كل الصعاب.
وبفضل إرادتها ومواظبتها على الدراسة، ودعت الأمية، واكتسبت ما أهّلها لتكون متعلمة وطمحت للالتحاق بالجامعة، وتمكنت من حفظ كتاب الله بعد أن أتمت حفظ 15 حزبا حين كانت نزيلة بأحد المستشفيات الإسبانية خلال فترة العلاج، أين تمكنت من تعلم اللغة الاسبانية والتحدث بها بطلاقة، وخلال عودتها أقامت لها جمعية البصائر للثقافة والعلوم حفلا تكريميا نظير ختمها كتاب الله، بحضور كل صديقاتها وأهلها، والأئمة وكل أفراد عائلتها، وقد حضر جنازتها جمع غفير من عائلتها وسكان الحي وأصدقاء أبنائها العشرة وأحفادها، وابنتها بطلة العالم في الكاراتيه كوشي دو وتلاميذها التي أصبحت مدربة لهم من شباب وشابات في كيفية تحدي الآلام والصعاب، لتبقى الحاجة ربعية أنموذجا للتحدي حتى بعد وفاتها.
وكانت الحاجة “ربعية” قد قدمت تجربتها الاجتماعية الراقية لقراء الشروق اليومي، وكيف تحدت المرض والظروف الاجتماعي وحتى الاستعمار الذي أراد لها الأمية وللشعب الجزائري، كما تحدت بطريقتها، الرابطة الزوجية التي أثمرت إنجابها عشرة أبناء، تتطلب رعايتهم التفرغ التام لتربيتهم تربية صالحة إلى أن يبلغوا سنّ الرشد.
الحاجة ربعية ظل حلمها الأول هو حفظ القرآن الكريم، فقررت رفع التحدي ضد ما فاتها، ووجدت في زوجها معينا ومساعدا بارك خطوتها وشجعها على الالتحاق بمدارس محو الأمية، والانتساب إلى أفواج مدرسة تحفيظ القرآن الكريم بجمعية البصائر للثقافة والعلوم بأم البواقي.
تحلت الحاجة ربعية بصبر أيوب، فقد بدأت من مدرسة الإبتدائي ومن السنة الأولى وهي في الستينات من العمر، بعد انتسابها للدراسة بالمراسلة، ومرّت على كل المراحل التعليمية في الأطوار الثلاثة، من المرحلة الإبتدائية إلى مرحلة الثانوي التي بلغتها في سن متقدمة بعد أن تجاوزت السبعين، ولم يثنها مرضها وإصابتها بداء السرطان عن التراجع عن هدفها وحلمها الذي لطالما راودها منذ نعومة أظافرها لمواصلة حفظها كتاب الله، واجتازت شهادة البكالوريا وهي على مشارف الخامسة والسبعين من العمر.
وكان كلما انتشرت الخلايا الخبيثة في جسدها، كلما تقوّت إرادتها الحميدة، ولكم أن تتصوروا سيدة في سن متقدمة تصل من الأمية إلى امتحان البكالوريا وتتعلم اللغة الإسبانية كتابة ونطقا بطلاقة وحفظ كتاب الله، مع التزامها الاجتماعي والعائلي مع أبنائها العشرة وأبنائهم من أحفادها الذين شيّعوها الثلاثاء وهم في قمة الفخر بالحاجة ربعية التي حققت كل أمنياتها الدينية والدنيوية وأمنياتها.
قضت المرحومة الحاجة “ربعية فراق” سنوات في إسبانيا في بيت ابنها المغترب هناك، فكانت بعد حصص العلاج الكيميائي الشاقة، تعود إلى بيت ابنها حاملة المصحف في رحلة حفظ كتاب الله، وحاملة كتب تعلم الإسبانية التي صارت مع مرور الأيام تستعملها في يومياتها الإسبانية في السوق والمستشفى ومع جيران ابنها من الإسبان.
وبقيت أحلى ذكرى بالنسبة للمرحومة الحاجة “ربعية”، عندما عادت من رحلة علاجها في إسبانيا، وبمجرد وصولها إلى مقر إقامتها بحي “لاصاص” القديم بمدينة أم البواقي، حتى حظيت باستقبال احتفالي من طرف أبنائها وأفراد عائلتها وجيرانها وحفظة كتاب الله، الذين التفوا حولها في مشاهد الأعراس الكبرى من زغاريد ودموع فرح وإطلاق للبارود، ثم أقامت جمعية البصائر للعلوم والثقافة حفلا تكريميا على شرفها حضره الأئمة والمشايخ والمرشدات الدينيات.