الرأي

وقفات مع الشيخ محمد النذير

الشروق أونلاين
  • 2195
  • 0

كيف يعيش الإنسان النمسات الروحانية في أجواء العام الهجري المبارك، أحله الله على الأمة الإسلامية بالخير والبركات وطيف موسم عاشوراء الأعز فيه من الغفران وتكفير الذنوب، وكيف يعيش الإنسان الابن وذكرى الأولياء والعلماء تمر كمر السحاب، ففضل الله علي أن أقف وقفة خشوع وتذكّر لصاحب السماحة والوقار بعد الصلاة على حبيب الرحمان والدي الشيخ محمد النذير الذي غمر الزاوية العمورية بالقرآن وإصلاح ذات البين وإطعام الطعام وإفشاء السلام.

مصداقا لقوله تعالى “وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا” تحل الذكرى الثالثة لرحيل المغفور له الشيخ محمد النذير في هذه الأيام الممزوجة بتباشير حلول السنة الهجرية الجديدة بحول الله وقوته وفي هذا المقام يجب التذكير ببمآثر الشيخ الفقيد الذي كان رمز التضحية والتفاني في خدمة الدين والقرآن .

والحقيقة أن من المسائل التي لا ريب فيها هو أن الإنسان المسلم المخلص لا يستطيع أن يبحر في مَدَدِ الله إلا بالعبودية الصادقة لله وحده لأن الإنسان التقي لا يتحقق له ذلك إلا بتحقيق “إياك نعبد وإياك نستعين”.

وقدوتنا في كل هذا سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي حقق العبودية الكاملة لله، فامتثل والتزم بها صفوة العلماء والصالحين المصلحين والسير على منهج الرسول حبيب الرحمن صلى الله عليه وسلم.

فالصوفي المصلح هو دائم التصفية من شوائب النفس وبالمداومة على هذا النهج الرباني بإقامة الحق مقامه، والالتزام بالشريعة الإسلامية قولا وعملا.

ولقد اهتم الباحثون المختصـــــــون بهذا الأمــــر بالحياة الاجتماعية والثقافية وتشعبت فيه العلوم بحيث تمهـــدت لها السُّبل فـــي بناء المساجـــــد والزوايا لمشاهير العلماء والأولياء الصالحين وذلك من أجل تحصيل القرآن والتدقيق في مفهوم الشريعة الإسلامية السمحاء وإصلاح ذات البين وإطعام الطعام وإفشاء السلام بين رواد طلاب العلم وعابري السبيل واليتامى والحفاظ الأساسي على الشخصية الوطنية والأعمال السامية التي يسجلها التاريخ للزوايا العاملة علما وعملا ومنهجا ثابتا في الحياة الدنيا من تربية وتعليم وصلح وإصلاح.

وإنني أجد نفسي وبكل تواضع أعرج بإيجاز عن واقع الزوايا العاملة في الجزائر وأبعادها الروحية الخيرية والعلمية والدينية، فالهدف الأمثل هو الاهتمام بهذه المراكز الخيرية لأنّ رسالتها رسالة ربانية حضارية، غاياتها فعل الخيرات وإصلاح ذات البين وتعليم القرآن وقواعد الشريعة الإسلامية أولى أولياتها فهي مَلْقَى للمتحابين في الله ومكان للرأي والتشاور والتواصل بين المتحابين في الله الذين يُظلهم الله يوم لا ظل إلاَّ ظلّه وتوصيل صلة الأرحام والجيران والمريدين وعدم التفاخر لا تفضيل ولا تفاضل فالجميع إخوة في الله.

وهناك الكثير من الزوايا العلمية، الدينية الحريصة على العمل الديني الخالص لله تعالى فأدت نشاطا حافلا بالمآثر الإيجابية.

وإنصافا للتاريخ فإن لهذه الزوايا رصيدا تاريخيا تزخر ذكراها في نفوس المحبين بالإخلاص فمن يتوكل على الله فهو حسبه ويجعل له مخرجا ويُسراً وتيسيرا.

ومن باب الصدق نأخذ عينة موجزة من كتابات المغفور له الشيخ محمد النذير الذي خدم الزاوية طيلة ما يقارب سبعة عقود من الزمن وذلك بخط يده أي حوالي 70 سنة ..

كما كانت للشيخ محمد النذير بعض المخطوطات كتبها بيده منها كتاب المصحف الشريف على طريقة ورش وكتاب الرحبية في المواريث كما كانت هناك مخطوطات كتبها أبوه وهي موجودة حتى يكتب لها الله أن تخرج للوجود وأن يجعل لها سبيلا وتيسيرا ويستفيد منها القراء وطلبة العلم من مؤرخين وجامعيين وغيرهم.

ومن باب الذكر فإن نجل الشيخ بن عبد الرحمان الديسي العلامة سيدي أحمد بن داود استقر بالزاوية لأكثر من عقد من الزمن يُدلي بعلمه وفتواه وكانت له سفريات مشتركة مع الشيخ محمد النذير ونجل الشيخ بن عبد الرحمان الديسي للعاصمة وبالخصوص ملاقاتهم للشيخ البشير الإبراهيمي وقبلها كان يحضر الشيخ محمد النذير الدروس الدينية بالجامع الكبير حيث مفتي الجزائر الشيخ بابا عمر والشيخ الطيب العقبي بنادي الترقي والشيخ كحول طيّب الله ثراهم جميعا ثم أصبح مولعا بالدروس الدينية بالجامع الجديد الحنفي والجامع الكبير بالعاصمة وجامع فارس بالقصبة، ولم ينقطع عن متابعة الدروس الدينية أينما حل سواء في العاصمة أو في مدينة سيدي عيسى عند الشيخ علية الحاج عيسى وقد كتب ونسخ العديد من المخطوطات والمذكرات. وحسبي أني بكتباتي ذكرت مآثر والدنا جميعا فما الجحود والذل  إلا في الطمع.

ومن خلال مذكراته التي سلمني اياها حيث ماوقعت نفعت قلبي وقارئ هذا التحقيق واذا ضاقت الأحوال  فالصبر لله ولعل أصحاب العقول الراجحة تعي قولي، لكن معرفتهم للشيخ محمد حتما هم في غنى عن كتاباتي فالعيب في نفسي فأخفض لساني فكم من لدغة ثعبان وكم من في المقابري من قتيل لسانه برأت ذمتي والله العليم بالسرائر وما تخفي الصدور.

إن الشيخ محمد جنّد نفسه لنشر تعاليم ديننا الحنيف، إنه رجل يتصف بسمات الوقار والاتزان فلا ينظر إلى سطحيات الأمور لا بل إلى لبِّها وجوهرها.

أخيرا وليس بآخر أقول نِعْمَ القول الصلاة والسلام على خير الأنام محمد السراج المنير والهادي المرشد إلى الصراط المستقيم فمن اتبع هدى الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون مصداقا لقوله سبحانه وتعالى “ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذ عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون” فرحمك الله أيهاالوالد الورع الشيخ وأسكنك جنات الرضوان مع العلماء والصالحين.

وهكذا انتقل الشيخ محمد النذير خديم مقام الزاوية العمورية وأعتاب العلم والصالحين وأهل العلم والقرآن والمريدين إلى جوار ربه يوم الإثنين 24 ذي القعدة عام هـ1434 الموافق الفاتح من غرة شهر نوفمبر سنة 2012م.

 

أقول القول كل ليلة بها طالعي

في ذروة السعد وأوج الكمال

واشتكى إلى الله ما أنا فيه من فراق حبيبي

ومن البلوى وما ألقاه من سوء حالي

لقد أظهر العطف عني بترتيل القرآن في كل زمان

بمنطق مع الطلاب يزري بعقد اللآل

ويبتهج قلبي حين أرى أحبة واخوان والدي

وقرة عيني بأنوار طلبة القرآن ذاك هو الجمال

ثم صلاة الصلاة والسلام الأسنى   

على النبي المصطفى حبيب الرحمن

وآله الائمة الأخيار وصحبته الأطهار

فلم أجد من الأشعار أبهى صدقا

نظمت هذه الأبيات موجزة

في حق شيخي محمد خادم المقام

عبد الرحمان خديم الوالدين في رضاهما

فما يطيب العيش دون سواهما إلا بالله العظيم

 أنظر وتمعن في سير الأخيار

إذ قال سمعت أذان الحق في الفجر

ودهانا الدهر بالعراء

وسما به الإله من تحت الثرى

لن نرضى له غير هذا مقرا

وتمادينا على مالك الأقدار

وتنافست الأحرف في الأشعار

ففاز الراء بالحبر فيما نرى

قد زينت له السموات بالأنوار

وأجمع له يا رب أنبياء وأبرارا

قالوا محمد خديم المقام سليل الأطهار

بن محمد بن عبد الله من قضاة الديار

الفاطمي نسبا المالكي مذهبا والأشعري

مريد وخديم سيدي محمد بن سعد

ومن صلب علي الملقب طالب العُمري

قد أهداه الله صوره وجهه كالبدر

ولسانا كم رتل البقرة

ويدين كم صدقا على الفقراء

فعشقته الأعين بالأنظار

كم سما في عقيدته مع الأشعري

وتفكر في سيرة شيخي محمد ذي الأنوار

ولبيت بالفتح كما جاء في النصر

حين وري الحبيب الثرى

إلى جواره في المنتهى مستقرا

ولا رفيقا غير طه في الأخرى

إن هو إلا قلب على حبيبه في انصهار

من تمدح حامل القرآن والأذكار

وتراءت الأمور في النظم للورى

وبشرت بقدوم محمد حبيب المختار

وأحط بجنات من تحتها الأنهار

محمد بن النذير المبشر بالأقدار

بن المرزوق بن إبراهيم الغول البحار

عقيدة شيخنا الحفناوي حررها في الأثر

الملقب بسيدي العموري في الأمصار

والأم مايسة بنت فاطمة تسمو بها الأذكار

وعينين كإستبرق أخضر

وشفتين كم كبرا حمدا واستغفرا

وقدمين وطئا بكه حجا واعتمرا

وتملك القلوب حبا وانبهارا

وكم جال في خلوته بترتيل السور

 وفي التفاسير مع ابن كثير كم تفكر

كم ازدانت مجالسه بالبخاري

كم سحر بفتح الباري ومعه سهر

وبالجواهر الحسان دمعه انهمر

كم نسخ بأنامله فوائد غرر

فكان نعم الأب للإخوة وما استدار

قال كم علمت وكم نصحت مرار

أنظر كيف عقد عهدا بالاستمرار

فداخل المقام تلقى الإشارة

أولا علم القرآن للطلبة الأحرار

ثانيا كفل اليتامى وإطعام الفقرى

قد خدم العلم والعلماء وما قصر

قد حاز بزهده القطب في العصر

ناظمة الأبيات رباها من الصغر

ما سال حبري على الورق زورا

لم أقل الشعر حياتي ولا مرة

فما كان شيخي سرابا فاندثر

وما مضى شيخي بدون أثر

ومن أين لكي يا أمال صديقا سجير

وأبكيك قرة عيني يا درة العصر

ويواسيني ذكرك ماحييت من العمر

وأهديك يا متفردا بدعائي مدى العمر

ونختم النظم بحمد الله حمدا كثيرا

وأمام فلك الرحمن بالسجود خر

وجلجلت بالذكر مع البصيري

وصاحب الخرشي عشقا في المختصر

وبالأجرومية والألفية كم سمر

وخطت بإجلال يده جميع السور

وحضنا آمنا للأخوات كأم للصغار

لكن الله العليم أعلم بالأسرار

وصمم بيتا بست رواسي كي لا ينهار

ست عرصات هن للفهيم أمارة

ليجعل السور أوتادا لهذا العمار

وكم آوى ابن السبيل و كل من عبر

ومن أسر ظلمات الجهل كم حرر

وفات بصيته المد في البحر

دكتورة في الطب قلاعة للضر

بل سال مدادي عليه صدقا ونورا

وعلى أبي حبيبي لم أطق صبر

بل حقيقة تبقى للأبد تذكر

بل ترك تاريخا ماجدا بالعبر

ومن أين لكن فلذاتي سراجا منير

وأبكيك يا فيض الرحمة على البشر

وسأجهد صالحا لأجل لقياك في اليسر

ثمرة جهدي من اليوم إلى ساعة القبر

والصلاة والسلام على طه البدر المنير

 

(*) نجل الشيخ محمد زاوية بلعموري

مدير دراسات برئاسة الجمهورية

ديوان السيد الوزير، الأمين العام للحكومة

مقالات ذات صلة