الرأي

ولايات تُنتِج وأخرى تَستهلك.. لماذا؟

محمد سليم قلالة
  • 3143
  • 6

الذي يجوب الجزائر شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، يكتشف أن هناك أقاليم لديها قابلية للتطور أكثر من أخرى، هناك مناطق بعينها تمكنت من جلب الاستثمار الفلاحي أو الصناعي وتطويره، وهناك مناطق استمرت لعقود على حالها. هل المشكلة لها علاقة بطبيعة الناس أم هي تاريخية، مناخية، أنثروبولوجية؟ أم هي نتيجة السياسات المركزية التي فضلت جهة على جهة أخرى؟ وما الدروس التي نستخلصها من ملاحظاتنا الأولية بهذا الشأن؟ وأي بدائل يمكنها أن تحكم هذه المسألة في المستقبل؟

لماذا أصبحت بعض المناطق الجنوبية وأحيانا الصحراوية هي التي تُمَوِّن السوق الجزائرية بالمنتجات الفلاحية، في حين فقدت متيجة مكانتها؟ لماذا لم تتمكن المناطق المُنتِجة للبترول والغاز من جلب استثمارات صناعية وتحويلية في حين تَمَكَّن سكان الهضاب العليا من ذلك، وحقَّقوا الكثير من الإنجازات في الميدان الصناعي خاصة؟ ما الذي يجعلنا نلاحظ ذلك التباين الكبير بين الأقاليم الجزائرية في ميدان التنمية والتحول الاقتصادي والاجتماعي؟ هل المسألة متعلقة بسياسات حكومية مقصودة لتنمية مناطق على حساب أخرى؟ أم إن الأمر يتعلق بطبيعة السكان ونخبهم المحلية سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم ثقافية؟ أم إن التطور أو الركود تحكمهما عوامل طبيعة مفروضة لا قدرة لدى الإنسان على التأثير فيها؟

للوهلة الأولى، يبدو وكأن الحكم المركزي هو الذي يتحكم في مصير الأقاليم، وأن السياسات العامة هي التي جعلت من منطقة “الزاب الشرقي والغربي” بواحة بسكرة مثلا مصدرا أساسيا للمنتجات الفلاحية التي أصبحت تغمر السوق الجزائرية برمتها، كما يبدو أن هناك سياسة عامة موجهة من المركز نحو منطقة وادي سوف لتنتج كميات هائلة من الخضر وحتى الفواكه أحيانا (الفراولة)، أو أن سياسة الدولة الصناعية هي التي جعلت من منطقة البرج وسطيف قطبا صناعيا بامتياز، ومن مناطق أخرى شرقا وغربا أكثر أو أقل أهمية في ميدان الإنتاج الفلاحي أو الصناعي أو التجارة والخدمات… هكذا تبدو الصورة للوهلة الأولى، إلا أن المقاربة الميدانية والمباشرة، على الأقل من وجهة نظرنا، تضعنا أمام فرضيات أخرى غير فرضية مسؤولية الحكم المركزي.

ألا يتعلق الأمر بالمبادرات الفردية والجماعية في هذه المنطقة أو تلك؟ ألا يتعلق الأمر بنوعية الرجال والنساء الذين بادروا بهذا العمل أو ذاك، أي بطبيعة التركيبة النفسية والاجتماعية لهم؟ ألا يتعلق بجوانب لها علاقة بالخبرة التاريخية وتراكم التجربة أبا عن جد التي أدت إلى بروز حوافز هنا وعوامل مثبِّطة هناك؟ ألا توجد مناطق أكثر ميلا إلى التجارة وأخرى أكثر ميلا إلى الصناعة وثالثة كسولة خاملة لا همَّ لها سوى البحث عن الوظيفة واستهلاك منتج الآخرين؟

هل يصح هذا التقسيم؟ وهل علينا أخذه بعين الاعتبار عند رسم الخارطة الإنتاجية للبلاد وعند توزيع المهام على مجموع السكان، بل وعند التفكير في أي السياسات هي الأنسب لهذه المنطقة أو تلك؟

بلا شك، إن مثل هذه الأسئلة تحتاج إلى وجهة نظر علماء الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا والتاريخ والاقتصاد، ولا يكفينا أن نبحث في السبب السياسي بمفرده كعامل وحيد مؤثر في كل المعادلة، أو في ما أصبح يبدو على الساحة من مظاهر رفض العمل أو قبول حياة الاعتماد على الآخرين أو الاكتفاء بالحد الأدنى من شروط الحياة.

صحيح أن هناك علاقة وطيدة بين السياسات العامة الحكومية والمجتمعات المحلية، وبإمكان هذه السياسات التأثير فيها بطريقة مباشرة خاصة في مجال توزيع الميزانيات، إلا أن كيفية تعامل هذه المجتمعات مع الميزانية المخصّصة لها ومدى استعدادها للابتكار والعمل في إطارها هو الذي يصنع الفارق، وهو القادر على تحقيق التنمية المحلية.

إن المسألة ليست فقط مسألة “عدم توازن جهوي” تقوم به الحكومات المتعاقبة، إنما هي مسألة مناخ محلي عام يكون سائدا في هذه المنطقة أو تلك يجلب المستثمرين ويدفعهم إلى التنافس الإيجابي، أو عكس ذلك تماما يُثبِّط كل محاولة للبناء ويمنع أي مبادرة من أن ترى النور بأعذار مختلفة.

“لماذا أصبحت بعض المناطق الجنوبية وأحيانا الصحراوية هي التي تُمَوِّن السوق الجزائرية بالمنتجات الفلاحية، في حين فقدت متيجة مكانتها؟ لماذا لم تتمكن المناطق المُنتِجة للبترول والغاز من جلب استثمارات صناعية وتحويلية في حين تَمَكَّن سكان الهضاب العليا من ذلك، وحقَّقوا الكثير من الإنجازات في الميدان الصناعي خاصة؟ “

وانطلاقا من هذا، يُصبح تعميق فهم طبيعة اختلال التوازن بين المناطق والجهات موضوعا ذا صلة بأكثر من طرف (علماء، سياسيين، مثقفين، مستثمرين… إلخ)، أي ينبغي أن يتجاوز مسألة تحميل المسؤولية للسياسات المركزية، إلى البحث في أسباب الفشل المحلي، وكيف أصبح واضحا أحيانا حتى بين بلديات الإقليم الواحد.

صحيح، ليست هناك رؤية واضحة لدى السلطات المركزية في مختلف مجالات التنمية، ولا تَتخذ قراراتها الاقتصادية وفق دراسات معمقة لطبيعة المنطقة وحاجاتها، ويغلب عليها التنميط في هذا المجال، حيث لا يتم أخذ خصوصيات المجتمعات المحلية بعين الاعتبار عندما يتعلق الأمر بسياسات الاستثمار خاصة، إلا أن هذا لا يبرر فشل المسؤولين والأعيان المحليين في اعتماد ما يرونه مناسبا من قرارات، بل العكس هو الصحيح إنهم يتحملون القدر الكبير من المسؤولية نتيجة مجاراة السلطات المركزية ومحاولة تقديم الولاء المجاني لها على حساب تحقيق أهداف التنمية المحلية.

لذا، من الضروري اليوم، إذا أردنا انطلاقة حقيقة من الداخل، وانطلاقا من القاعدة، أن نشرع في فهم حقيقي للخصائص المحلية الإيجابية والسلبية، وأن نبحث في سبل معالجة السلبي منها. وهذه من المهام الجوهرية للجامعات والمؤسسات البحثية المنتشرة عبر كافة الولايات، التي عليها أن تقوم بدورها في قيادة قاطرة التنمية وفي تقديم التفسير الموضوعي لسبب تخلفها ولعوامل ازدهارها. عندها يُصبح من مهام ممثلي السلطات المركزية فهم هذه الحقائق وتكييف السياسيات العامة المختلفة معها.

إننا اليوم لسنا في حاجة إلى المسؤول المحلي الذي يستمدُّ معلوماته وتعليماته من المركز (الحكومة بالنسبة إلى الوالي، والولاية بالنسبة إلى رئيس المجلس الشعبي الولائي أو البلدي)، ليضع خطط التنمية المحلية بناء على اقتراحات مركزية، وليرفع تقارير إلى أعلى لتقييم ذلك، إنما إلى المسؤول التنفيذي أو المنتخَب الذي يستمد تلك المعلومات والتعليمات من القاعدة المحلية التي ينتمي إليها بناء على اقتراحات محلية مدروسة تقوم بها الجهات الأكثر علما بها، وفي ذات الوقت يقدِّم حصيلته إلى تلك الجهات المحلية قبل المركزية وينال العقاب أو الجزاء منها.

وبهذا يمكننا أن نصل في مرحلة من المراحل إلى اختيار الوالي أو أي مسؤول محلي، ليس بناء على ولائه للمركز، أو على كفاءته الشخصية، إنما على مدى استيعابه لخصائص المنطقة ومدى فهمه لواقعها ولأساليب تحقيق التنمية المستدامة بها.

ولا عيب في هذا أن يختَبر الوالي أو أي مسؤول محلي من قبل لجنة من المختصين قبل أن يتحمل تلك المسؤولية: هل يُدرك خصائص المنطقة وثقافتها ونوعية الناس بها ومقدراتها؟ وما هي خطته لتطويرها وتمكينها من خوض غمار المنافسة مع الولايات الأخرى؟ وما هو النصيب المتوقع أن تضيفه (ولايته) للناتج الوطني الخام، والإسهام الذي ستسهم به في نسبة النمو؟ أي أن يتم إخراجه من ذلك الإطار الضيق الذي يربط نجاحه أو فشله بملف السكن أو الأشغال العمومية أو توفير بعض مستلزمات الحياة (المياه، الكهرباء، الغاز…)، ذلك أن هذه المستلزمات وإن كانت ضرورية وأساسية إلا أنها تبقى مجرد مظاهر للتنمية إذا ما غابت عنها الرؤية والإدراك الحقيقي لما ينبغي أن يكون عليه سكانُ المنطقة في المستقبل.

ولعل هذا ما يجعلنا نميل إلى تأكيد أنه إذا ما كانت هناك خصائص محلية إيجابية أو سلبية لمنطقة من المناطق فإنما ذلك يعود إلى طبيعة أهلها، وإذا ما أردنا تحقيق التطوير أو التحسين، فإنه لن يتم إلا من خلالهم، وما على السياسات المركزية إلا أن ترافق ذلك، إذا ما كانت تتحرك ضمن رؤية واضحة للمستقبل لا ضمن حسابات ضيقة لأجل البقاء والاستمرار في السلطة.

مقالات ذات صلة