“ولاية” الدولة العميقة بـ”ملالي” الجبهة والتجمع
قبل ثلاث سنوات أو أربع كان الأمين العام لجبهة التحرير سيرحل بقرار فوقي، أو بانقلاب علمي، عقابا له على “خرجاته الإعلامية” التي حولت اليوم السيد ولد عباس إلى رئيس لـ”حزب معارض” للحكومة، مع حرصه على تجديد الولاء لرئيس الجمهورية.
وقبل ثلاث أو أربع سنوات، كان رئيس الحكومة سيقال للتو، لو صدر عنه ما صدر عن السيد أحمد أويحيى وقيادة حزب التجمع الوطني من اتهامات لجبهة التحرير؛ الحزب الشريك في السلطة، ومعه جانب من الإدارة، وقد اتهمت بمحاباة الحزب العتيد في الاستحقاقين الأخيرين، مع الحرص على تجديد نفس الولاء لنفس الموقع، وكأننا نتابع ميلاد قطبين توأمين متنافسين من رحم الدولة العميقة.
بعض التحليلات الإعلامية توقفت عند ما وُصف بـ”الحرب المعلنة” بين حزبي السلطة وربما “حرب الأجنحة” داخل السلطة، والراجح عندي أن قيادات الحزبين إنما تنفذ بدم بارد وأمانة سيناريو أعِدَّ في قلب الدولة العميقة على امتداد عقدين من إدارة الرئيس بوتفليقة، الذي مكن ـ بلمسات خفيفة، بارعة، وبالتقسيط المريح ـ لقيام فرصة بناء واجهتين لمتجر واحد، يسوِّق نفس بضاعة النظام بتغليف مختلف، ويتوليان تجسيد التداول على واجهة السلطة دون تعطيل “برنامج” الدولة العميقة، مع إضعاف مستدام لدور البرلمان، وتجريف ساحق لصفوف المعارضة التقليدية، قبل أن يتوج المسار بتوحيد قيادة الدولة العميقة بترحيل ما وصف بـ”الدولة داخل الدولة” ابتداءً من 2013.
وإذا كان من نجاح سياسي يُحسب للرئيس، فهو بلا شك نجاحه في صناعة “وفاق ووئام” بين القوى المحافِظة التقليدية في السلطة، الموروثة عن حقبة الحزب الواحد، ولها واجهة سياسية معتمَدة في جبهة التحرير وملاحقها، والقوى الإصلاحية الليبرالية المولدة ولادة قيصرية بأحداث أكتوبر 1988 ورعاية الحقبة الاستئصالية، ولها عنوان معتمد في حزب التجمُّع الوطني.
يقينا لم يقم النظام بإعادة ابتكار العجلة، بل يكون قد استكشف نماذج الحكم الأكثر شيوعا واستقرارا في العالم، بدءا بنظام القطب الواحد بحزبين في الولايات المتحدة الأمريكية، وانتهاءً بنظام الملالي في إيران القائم على التداول بين المحافظين والإصلاحيين تحت ولاية الفقيه، مرورا باستقرار التداول في أوروبا بين اليمين التقليدي، واليسار الاشتراكي المروَّض، لتغلق أبوب التداول في وجه باقي القوى السياسية من أقصى اليمين وأقصى اليسار، غير المندمجة في “خارطة طريق” الدولة العميقة وحساباتها.
أغلب الظن أننا ذاهبون إلى ترسيخ نموذج مماثل، يُفتح فيه التنافس والتداول بين “المحافظين والتقليديين” بواجهة جبهة التحرير، والليبراليين والعلمانيين وأرباب المال المعسكرين في التجمُّع، مع تقاسم مكونات المشهد السياسي في تحالفات ظرفية، تذيقهم بعض ريع السلطة بين استحقاق وآخر، وقد يكون استحقاق الرئاسيات القادمة فرصة لبداية اختبار النموذج، بالسماح ـ ولأول مرة ـ لمرشحين متنافسين من حزبي الأغلبية، مع ترجيح محتمل لمرشح تحتضنه جبهة التحرير، وتأخير فرصة الليبراليين في التجمع إلى ما بعد نهاية البرنامج الذي تبناه النظام تحت قيادة الرئيس بوتفليقة حتى سنة 2030.
وفي كل الأحوال، لسنا أمام تكرار سيناريو 2004 لأن النظام اليوم موحد، وبوسعه العمل دون حرج مع واجهة التجمع، أو واجهة جبهة التحرير، أو باقتسامهما للجهاز التنفيذي بين موقعي الرئاسة والوزارة الأولى، وحتى مع تطوع أحدهما لقيادة معارضة منضبطة، لها هامش مناورة محسوب، داخل خطوط حمراء، عنوانها الأبرز: ضمان استقرار النظام، وإعادة ترميمه، وحمايته من فرص التغيير الوافد من خارج الدولة العميقة.