الرأي

… ونطق الرويبضة!

سلطان بركاني
  • 2217
  • 0
أرشيف

من مميزات الإسلام العظيم أنّه لا يقبل تلك القسمة الضيزى التي ارتضاها أتباع الأديان المحرّفة، وتقضي بوجود طائفة من النّاس تحتكر النّظر في الدّين والحديث باسمه، بل إنّ الإسلام لا يقرّ بتقسيم أتباعه إلى رجال دين وعوامّ، فطلبُ العلم متاح لكلّ أحد، والبلاغ عن الله ورسوله –صلّى الله عليه وسلّم- شرف لا يذاد عنه راغب، وأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوط بكلّ مسلم مهما كان مستواه العلميّ.
هذه حقيقة لا يماري فيها عارف بدين الله، لكنّه يشترط في المسلم الذي يريد البلاغ عن الله في أمر معيّن أن يكون عالما به ولو جهل ما سواه، كما يشترط في من ينتصب للأمر بمعروف أن يكون على علم بذلك المعروف ولو كان جاهلا بقضايا أخرى كثيرة، كما يشترط في من ينهى عن منكر أن يكون على دراية بذلك المنكر وأنّه حقيقة منكر في شرع الله.. هذا في المطالب والواجبات التي لا تشترط قدرا معينا من العلم والاطلاع، أمّا التصدّر للتعليم والبيان والحديث في المسائل والقضايا التي تختلف فيها الأنظار والتقديرات، فيشترط له حدّ أدنى من العلم، لا يقبل لمن لم يحصّله أن ينتدب للحديث باسم الدّين والخوض في قضاياه.
في واقعنا، ومع إتاحة مواقع التواصل الاجتماعي، وشيوع استعمالها بين النّاس على اختلاف مستوياتهم العلمية والفكرية، وعلى تباين منسوب الوعي لديهم، أصبح الشّرط آنف الذّكر مغيّبا، لا يكاد يلتفت إليه.. حتى رزئت الساحة الإسلامية بشباب أغمار لا يملكون حدا أدنى من أدوات طلب العلم، تصدّوا للحديث في قضايا الدّعوة والشّأن العامّ، ونصّبوا أنفسهم دعاة يتحدّثون في كلّ صغيرة وكبيرة، وقضاة يحكمون على العلماء ويصنّفون الدّعاة ويدلون بدلائهم في شأن المصلحين!
استشرت هذه الظّاهرة بشكل واضح مع إتاحة موقع “التيك-توك”، وأصبحت الساحة الإسلاميّة ترزأ في كلّ مرّة باسم جديد يكون حديث العامّ والخاصّ بجرأته على اقتحام القضايا الكبيرة، على فقر مدقع في العلم والفهم والوعي.. تجد الواحد منهم لا يعرف من قواعد اللغة شيئا، ولا يستقيم لسانه ولا قلمه بجملة عربية صحيحة، ومع ذلك لا يقف عند إبداء رأيه في مسائل الفقه الخلافية، حتّى يتجرّأ على الحديث في مسائل “السنة والبدعة”، وينتدب لتبديع علماء ودعاة ومصلحين شابت عوارضهم في طلب العلم والدّعوة إلى الله، بل إنه يتجاوز ذلك بالحديث في قضايا الأمّة التي سالت فيها الدّماء وبلغت لأجلها القلوب الحناجر. يتحدّث عن محنة غزّة بجهل فاضح، فيخطّئ المقاومة، ويطعن في الشهداء! ويعجبه أنّه أمسى محلّ جدل في مواقع التواصل، ويتباهى بكثرة متابعيه، ويظنّ أنّ ذلك دليل على أنّه جذيلها المحكّك! والمصيبة أنّه لا يتورّع عن وصف كلّ عالم أو داعية أو إمام لا يروق له بأنّه “رويبضة”! وما درى المسكين أنّ الرويبضة في لغة العرب هو الإنسان العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وهذا ينطبق تماما عليه هو لأنّه رضي بجهله وقعد عن طلب العلم وسلك الطريق المختصرة نحو الشّهرة التي تمرّ على الجرأة وصفاقة الوجه وقلّة الورع!
وفي الحديث المشهور الذي يرويه الإمام أحمد عن أبي هريرة –رضـي الله عنه-: قال رسول الله –صـلى الله عليه وسلم-: “ستكون سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة”. قيل: وما الرويبضة؟ قال: “الرجل التافه يتكلم في أمر العامة”، وفي لفظ: “الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ”. وفي رواية: “الرجل السفيه يتكلم في أمر العامة”.
فالرويبضة هو الرجل الذي يجمع بين التفاهة والرضا بالدّون، فلا رصيد له من علم ولا أدب، ولا همّة له في نيل المعالي، وإنّما همّته في أن يكون مثارا لحديث النّاس، ويجري ذكره على كلّ لسان.. ومثل هذا يجني على الأمّة بجهله ورأيه الفاسد، ويجني على نفسه بورود مواطن الهلكة، وهل أهلك لدين الرّجل من القول على الله بغير علم والطّعن في أخيار الأمّة ومصلحيها؟!
الحقّ يقال إنّ سبب هذه الظّاهرة، هو ضعف الإخلاص في النّفوس، وشهوة الشّهرة التي فعلت فعلها في شباب كثر، جعلوا الدّين مطية لأهوائهم وأغراضهم! وقد قال بعض أعلام الأمّة قديما عن هذا الصّنف من النّاس: “كلٌّ منهم يحبّ أن يُدعى رأسا!”، أي إنّ كلّ واحد منهم يحبّ أن يكون الأشهر والألمع!

مقالات ذات صلة