الرأي

… وهكذا تَهنئين بزواجك

سلطان بركاني
  • 591
  • 0

ليس الشابّ المسلم وحده هو من يجب عليه أن يبني زواجه على أساس متين من الدّين؛ الفتاة المسلمة من جهتها أيضا، ينبغي أن تجعل في خلدها دائما أنّ الزّواج قربة وطاعة وأنّه مصلحة دينية قبل أن يكون مصلحة دنيوية، وأنّ عليها أن تتهيّأ له بإصلاح نفسها والإقبال على مولاها وخالقها ليقيّض لها زوجا صالحا صاحب خلق ودين، تسعد بصحبته في الدّنيا والآخرة.

تصحّح الفتاة المسلمة علاقتها بخالقها؛ فتصلّي الصّلوات الخمس في وقتها، وتتلو كلام ربّها، وتصلح حجابها ليكون وفق الضّوابط الشّرعية؛ حجابا واسعا سابغا تتقرّب به إلى الله ولا يهمّها ما تقول عنه النّساء من حولها، ولا يعنيها من الموضة والأذواق إلا ما لم يخالف دينها، المهمّ عندها أن يكون حجابها مرضيا عند خالقها الذي بيده قلوب العباد يقلّبها كيف يشاء.

من ترضون دينه وخلقه

من حقّ الفتاة المسلمة أن تهتمّ بدنيا خاطبها، سواء تعلّق الأمر بمظهره أو مكسبه، من دون مبالغة، لكنّها تهتمّ قبل ذلك بدينه وخلقه، فهي تحفظ حديث النبيّ صلى الله عليه وسلّم: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”، فتسأل عن صلاته وبرّه بوالديه، وتسأل عن عمله إن كان حلالا أم حراما، وعن ممتلكاته إن كان قد كسبها من حلال أم من حرام؛ فهي لا تقبل أن تبني حياتها وحياة أبنائها في المستقبل على الحرام، وتَعلمُ أنّ من لم يتّق الله في والديه ولا في مطعمه، لن يتقي الله فيها عندما تكون زوجة له.

وهكذا وليّ المرأة؛ أبوها أو أخوها أو عمّها أو خالها، ينبغي ألا يتسرّع في قبول الخاطب لمجرّد أنّ الأخير يملك عملا مستقرا وراتبا مجزيا ومسكنا مستقلا. ينبغي له أن يتريّث ويسأل عن دين الخاطب وخلقه، فإذا عرف أنّه صاحب خلق ودين، فينبغي له ألا يبالغ في الاهتمام بالمال والمتاع والمنصب، روى البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي أنه مر رجل من فقراء المسلمين على النبي –صلّى الله عليه وسلّم- يوما فقال النبي لأصحابه: “ما تقولون في هذا؟”، فقالوا: رجل من فقراء المسلمين، حريّ إن خطب ألا يزوّج، وإن شَفع ألا يشفّع، ثم مر رجل آخر من الأشراف، فقال: “ما تقولون في هذا؟”، قالوا: رجل من أشراف القوم، هذا والله حريّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفّع، فأشار النبي –صلّى الله عليه وسلّم- إلى الرجل الفقير الأول فقال: “والله هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا” .

الميزان ليس بالمال، ولا بالمتاع ولا المنصب ولا المكانة؛ فقد زوج النبي –صلـى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه، وزوج فاطمة بنت قيس القرشية من أسامة بن زيد، وهو وأبوه عتيقان. وتزوج بلال بن رباح الحبشي بأخت عبد الرحمن بن عوف الزهرية القرشية، وزوج أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة القرشي ابنة أخيه الوليد سالماً مولاه، وهو عتيق لامرأة من الأنصار.

خير النّكاح أيسره

كما ينبغي لوليّ المخطوبة أن يتّقي الله ولا يرهق الخاطب بالشّروط والمطالب، بحجّة أنّ هذا هو الواقع وأنّ النّاس كذلك يفعلون.. ينبغي له أن يستحضر أنّ كلّ عبد سيحاسب وحده بين يدي الله، وأنّه ليس يليق بالعبد المؤمن أن يكون إمّعة، ويتذكّر أنّ قيمة المرأة ليست في مهرها وشروط زواجها، إنّما هي في دينها وخلقها وعلمها.. يقول النبيّ -صلـى الله عليه وسلم-: “خير النّكاح أيسره”، ويقول: “إنّ من يُمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها”، ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب -رضـي الله عنه-: “لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي -صـلى الله عليه وسلم-، وما أصدق امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته بأكثر من 400 درهم أو 500″، وثبت عن الحبيب المصطفى –صلّى الله عليه وسلّم- أنّه زوّج رجلا من أصحابه بما معه من القرآن، وزوّج ابن عمّه عليا من ابنته فاطمة بدرع حطمية مكسورة، وقد روى الإمام أحمد في المناقب عن علي- رضي الله تعالى عنه- أنّه قال: جهز رسول الله –صـلى الله عليه وسلم- فاطمة في خميلة وقربة ووسادة من أدم (جلد) حشوها ليف”، وروى البلاذري عن علي -رضـي الله عنه- أيضا أنّه قال: “ما كان لنا إلا إهاب كبش ننام على ناحية منه تعجن فاطمة على ناحية”.

كفى خضوعا للموضة وعبوديةً للمظاهر

ربّما نكون قد سمعنا كلاما كثيرا من على المنابر عن تيسير المهور وتزويج الصّالحين وترك الانبهار بالأموال والمناصب والماديات، والتقليل من التنافس في المتاع الفاني، لكنّنا مع كلّ أسف ما أن نعود إلى بيوتنا، حتى نرضخ للواقع ولنوازع نفوسنا ويسمع بعضنا لإملاءات بناتهم ونسائهم اللاتي تعلّقت قلوبهنّ بالدّنيا.. فإلى متى ونحن نعيش الإسلام في المساجد ولا نعيشه في بيوتنا؟ إلى متى ونحن مسلمون في صلواتنا ولكنّنا لا نرفع لأحكام والشّرع وآدابه رأسا في أعراسنا وأفراحنا؟ آن الأوان لأن نراجع أحوالنا وعلاقتنا بديننا، فو الله إنّه ما ظهر الفساد في بيوت كثير منّا، وما امتلأت أروقة المحاكم بالقضايا والخصومات وما تزايدت حالات الطلاق في مجتمعنا إلا لأنّنا –إلا من رحم الله منّا- لا نقيم أعراسنا وأفراحنا ولا نبني أسرنا على تقوى من الله ورضوان. إنّما نقيمها على ما يعجب النّاس وما يوافق أذواقهم وواقعهم.

ما الذي يضرّ الزّوجين لو أنهما تواضعا في تكاليف زواجهما واكتفيا بالضروريّ، وادّخرا المال لمتطلّبات الحياة بعد الزّواج؟ سيتكلّم النّاس أياما ثمّ يُنسى الأمر.. لكن ماذا لو أبهر الزّوجان الأقارب والجيران والنّاس من حولهم بكمّ البهارج المرافقة للزّواج؟ سيتكلّم النّاس أياما ثمّ يُنسى الأمر، ويستفيق الزّوجان على حياة زوجيّة تعكّرها الدّيون والهموم وتنشب فيها الخلافات لأتفه الأسباب! وعندها لن يتدخّل المعجبون للمساهمة في سداد الدّيون، ولا في فضّ الخلافات!

مقالات ذات صلة