وهل مازالت جامعة عربية؟
منذ أن تأسست الجامعة العربية في سنة 1945 ونحن نستمع إلى نفس الخطاب، بنفس العبارات والمفردات في كثير من الأحيان… عمل عربي مشترك، حل دائم وعادل للصراع العربي الاسرائيلي، تضامن القادة العرب، سوق عربية مشتركة، تنسيق على أعلى مستوى … ومرت أكثر من 70 سنة على تأسيس هذا الهيكل العربي، وتغير العالم أكثر من مرة، وحدث الذي حدث به، إلا أن الهيكل بقي على حاله، وبقيت الجامعة العربية لا هي جامعة ولا هي عربية كما وصفها في حينها أحمد الشقيري أمينها العام الأسبق… فما الذي على بلادنا أن تعمل بداخلها؟
بالفعل يحتار المرء من جمود وعقم الخطاب العربي الرسمي، وبقائه ضمن منطقٍ عفا عنه الزمن، سواء بالنسبة لتناول قضايا الراهن أو القضية الفلسطينية التي يُفترض أنها أولى اهتمامات اجتماعات العرب على مستوى القمة، انطلقت بالأمس أشغال القمة العربية الثامنة والعشرين وفي جدول أعمالها راهن عربي مأساوي على أكثر من صعيد، وراهن دولي يحتاج بالفعل إلى قراءات جديدة ومواقف مناسبة، ما الذي نلاحظ؟ وما الذي تغير؟ وماذا يمكن للجزائر أن تفعل؟
من حيث الشكل، يصعب كثيرا وصف الاجتماعات التي تحدث اليوم بين العرب، بأنها اجتماعات على مستوى القمة، أي على مستوى الملوك والرؤساء، أغلب الحاضرين إن لم يكونوا ممثلين لهؤلاء فهم دون مستوى ملوك ورؤساء الحقب السابقة برغم نقاط الضعف الكثيرة التي كان يعرفها السابقون: أين هؤلاء اليوم من هواري بومدين وجمال عبد الناصر وفيصل وصدام حسين وبورقيبة والحسن الثاني والقذافي والأسد والحسين وبورقيبة وعرفات حتى لا نذكر سوى هؤلاء؟ أين التكتلات السابقة القائمة على أساس اختلاف وجهات النظر، فيما يتعلق بطبيعة الحكم وكيفية نصرة القضية الفلسطينية، الرؤساء ضد الملوك، جبهة الصمود والتصدي (بقيادة الجزائر والعراق وسوريا واليمن وليبيا)ضد التطبيعيين مع الكيان الاسرائيلي بقيادة مصر ومن تبعها من ملوك المرحلة؟ وأين تلك القرارات التاريخية من حَظْر للبترول في 1973 إلى إرسال لقوات ميدانية للمشاركة في القتال ضد الاسرائيليين لتحرير الأرض واستعادة القدس في 1967 و1973؟ كل هذا انتهى اليوم وإِنْ من حيث الشكل، فلا الاجتماعات العربية من حيث التركيبة تضم قِمما سياسية وتاريخية، ولا هي من حيث الصفة الشخصية للمشاركين تضم حُكَّاما لديهم بعض الشرعية في بلدانهم أو وجدوا مخارج للصراعات الداخلية التي تعرفها شعوبهم، فكيف بنا نستطيع الحديث عن كونها اجتماعات في مستوى القمة؟
أما من حيث المضمون فتكفي قراءة لبعض عناوينها ولغة الخطاب السائد بها لنتأكد من عقم هذا الأسلوب في العمل ولِنَمُل من تكرار ذات الأخطاء التي ارتكبت منذ أكثر من 70 سنة مضت.
هل يعقل أن تتم الدعوة اليوم إلى حل سلمي في سوريا بعدما حدث الذي حدث بها، وبعد كل ذلك التخريب والدَّمار الذي ساهمت إلى حد كبير فيه قوى عربية متصارعة فيما بينها على نفوذ وهمي في المنطقة؟ وماذا بقي في سوريا حتى يتم البحث عن حل سلمي بها؟ ألم تنته المعركة اليوم بالداخل السوري إلى حربٍ حقيقية، الجميع فيها خاسر وقد استخدمت فيها كل أشكال التحطيم والتخريب؟ أي حل سلمي بقي اليوم في سورية بعد أن أنهى هؤلاء الحكام سورية ذاتها وحوَّلوها إلى خراب ودمار؟
هل يعقل ثانيا، أن يتم اليوم الحديث عن عمل عربي مشترك في المجال السياسي، بعد أن تم القضاء على كل عمل لدى العرب ولم يعد سوى أولئك الذين يُعمَل فيهم وبهم ومن خلالهم لتحقيق أهداف القوى الإقليمية التي تستخدمهم وتقوم بتمرير سياستها من خلالهم؟ ألا نرى جميعا أن الدولتين الأساسيتين العاملتين حقيقة في المنطقة هما فقط الولايات المتحدة وروسيا، أما بقية الدول فإما هي جزء من خطة العمل الأمريكية التي للإسرائيليين موقع محوري فيها، أو جزء من خطة العمل الروسية التي أصبح للسوريين موقع محوري فيها بعد الذي حدث، ثم تأتي في مرتبة ثانية القوى الإقليمية غير العربية لتعمل أيضا في هذه الساحة وتسعى لتحقيق أهدافها، إيران بما أصبحت تمتلك من نفوذ في المنطقة وتركيا بما لديها من تأثير على المسار السياسي بها، أما بقية الدول فلا عمل لها خارجي حتى نتحدث عن إمكانية قيامها بعمل مشترك مع الآخرين، كلها تعيش مشكلات داخلية لم تتمكن من إيجاد حلول لها، سواء أكانت ذات طبيعة سياسية أو اقتصادية أو أمنية، وكلها لا تتطلع إلى أكثر من الحفاظ على الاستقرار الهش الذي تعرفه، كيف بمثل هذه الدول أن تتحدث عن عمل عربي مشترك؟
وهل يعقل ثالثا أن يتم الحديث عن تعاون اقتصادي أو تجاري مشترك، وجميع الدول العربية أصبحت تعترف أنها جزء من منظومة اقتصادية عالمية لا تعترف بالحدود ولا بالمناطق أو القوميات؟ هل يمكن لدول الخليج العربية التي اندرجت أكثر في مسار العولمة وأصبحت تمتلك شركات عابرة للقارات أن تعود وتُقزِّم نفسها داخل نطاق عربي متناحر أو تابع لأسواق خارجية متنافسة؟ وهل يمكن اليوم في ظل الظرف الحالي إقامة مؤسسات مشتركة في ظل التبعية المُطلَقة للأجنبي في الجوانب الاقتصادية والتجارية؟ ناهيك عن الحديث عن سوق عربية مشتركة التي عفا عنها الزمن؟ ألا نرى بأن الأوروبيين اتحدوا وأنْهوا الخلافات بينهم وحقَّق الاتحاد الأهداف المرحلية التي مِن أجلها تأسَّسَ، وها هم اليوم يتجهون نحو العودة إلى الأوضاع القديمة أو التفكير في أساليب جديدة تجمع بين القديم والجديد لعلهم يتمكنوا من البقاء ضمن عالم يتصارع فيه العملاقة ويموت فيه الأقزام؟
وهل يعقل رابعا، أن يتم الحديث عن تفعيل معاهدة السلام مع الاسرائيليين، والحُكّام العرب لا يملكون معاهدات سلام فيما بينهم؟ مَن يُعَطِّل مَن؟ ومَن يخلق أجواء الحرب ويغذِّيها لدى الآخرين؟ ألم تفعل ذلك بلدان الخليج مع كل من سورية وليبيا واليمن ومصر والعراق والقائمة مفتوحة؟ أم لم يُغذُّوا حالة الحرب بهذه الدول بدل حالة السلام؟ كيف بمَن غذّى حالة الحرب بجوراه أن يدعو إلى سلام مع الآخرين؟
فضلا عن هذا، هل يُصدِّق العرب أن الإسرائيليين ينتظرون منهم سلاما، لكي يُعيدوا الحق المغتصب للفلسطينيين ويُقيموا دولتهم على أرضهم وبعاصمتها القدس؟ أم أنهم ينتظرون منهم استسلاما أكثر واعترافا بأن القدس هي العاصمة الأبدية لكيانهم القائم بمنطق القوة لا بمنطق الحق؟
يبدو حقًّا أننا في نهاية مرحلة، حيث انقلبت القيم والمفاهيم، وتغيرت السياسات، وعلينا كدولة لها تاريخ ومواقف مازالت ربما الوحيدة الثابتة عليها بشأن التعامل مع الاسرائيليين، أن لا نسير ضمن هذا السياق، لقد انتهت مرحلة الجامعة العربية، أو الاتحاد الافريقي، ولم يعد معنى لهذه التكتلات التي أفرزتها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك أن اليوم هو لمرحلة عودة الدولة الوطنية القوية بمؤسساتها واقتصادها والقادرة على أن يكون كل العالم إقليمها الذي ينبغي أن تجد مكانة لها فيه، وليس هناك بديلا للفلسطينيين إلا أن ينفضوا أيديهم من مثل هذه التجمعات المسماة بالإقليمية، وأن لا يكونوا لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء إذا أرادوا بحق استعادة حقهم المسلوب… وبناء دولتهم الوطنية، لقد قالها يوما الراحل هواري بومدين للطلبة الفلسطينيين: لا أريدكم أن تكونوا يمينيين أو يساريين أريدكم أن تكونوا فقط فلسطينيين… وهو الذي ينبغي أن نقوله اليوم، ونعتمد عليه، وطننا أولا، وبعد ذلك لكل حدث حديث…