ياسف سعدي تاجر بالثّورة ويملك “يختا” وأفخم الفيلات!
دوخ “عمي مقران” سلطات الاستعمار الفرنسي، حيث نجح رفقة عناصر مجموعته الفدائية في القضاء على 37 فرنسيا، على رأسهم الكولونيل “ماثيو” المعروف بسياسته الوحشية إزاء الجزائريين، قبل أن يلقى عليه القبض ويحكم عليه بالإعدام من طرف المحكمة الفرنسية، وتحدث المجاهد بوسبحة مقران في حوار مع جريدة “الشروق”، عن سر الدراجة النارية التي كان يعتمد عليها في العمليات الفدائية التي كان يقوم بها ضد المستعمر، وأبدى عزمه على الاستمرار في النضال رغم استيائه من ظروف الأسرة الثورية، حيث أكد “أن المجاهدين الحقيقيين لم يستفيدوا من الاستقلال”.
كيف بدأت قصتك مع النضال ضد المستعمر الفرنسي؟
قصدت منطقة “آيت حالة” ببرج بوعريريج سنة 1956 من أجل الالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني، وهناك التقيت بعبد القادر البريكي، “موسطاش“، “سي الحواس“، وغيرهم وطلب مني “علي أوحالة” الذي كان مختصا في صناعة القابل بأن أذهب معه إلى ڤنزات بسطيف من أجل القيام بعملية هناك، وكنت عندها مع “سي حميمي” مساعد الكولونيل عميروش الذي سألني عن سني، فقلت له 19 سنة فقال له “سي الحواس” بأنني مازلت صغيرا عن العمل المسلح، كما أن ظروف العيش والعمل في الجبل جد صعبة ولا أقوى عليها، فسألني مجددا: “هل تتحدث اللغة الفرنسية جيدا؟“، وطلبوا مني بعدها أن أذهب إلى ڤنزات، وقاموا بوضع قنابل في المنطقة وعدنا ليلا إلى “آيت حالة“، وكان معنا محمد أعراب الذي كان يزود المجاهدين بالطعام، حيث قضينا الليلة في أحد المساجد، ورغم أنهم أخبروني انه من غير الممكن أن التحق بالجنود في الجبال، لم استسلم، وكنت أقوم ببعض العمليات الفدائية رفقة أصدقائي، اتصلت بعدها بالسايح عبد القادر وجماعة معه، وسألوني إن كنت أرغب في الانخراط في العمل الفدائي، وقلت لهم أنني أطمح لذلك، وسألوني مرة أخرى: هل تستطيع أن تقتل؟ فقلت لهم نعم، انضممت إلى تلك الجماعة، وكلفت بأول عملية فدائية في 15 مارس 1959، وكان ذلك عندما قتلت الكولونيل “ماثيو” رجل فرنسا العسكري والمحنك ببلكور، أذكر أن سني في ذلك الوقت لم يتجاوز 21 سنة، هذا الكولونيل الذي عرف بسياسته الجهنمية إزاء الجزائريين، وتزامنت العملية مع قيام فدائي بقتل “ديراغو” قبل ذلك بيومين، وبعد تلك العملية قام شعلال علي ومقيدس مولود بترقيتي إلى مسئول مجموعة من الفدائيين، وأصبحت تابعا للمدعو زيدان منصور، وعندما ألقي القبض على عناصر فرقتي، جاءني محند وطلب مني الاختفاء خوفا من إلقاء القبض علي، اختفيت بعدها لمدة شهرين في مختلف أحياء العاصمة، وكانوا يكلفونني بمهمة إلى مختلف ولايات الوطن، من أجل عقد الاتصال بين قادة الثورة في الولايات.
ماذا عن قتل 37 من عساكر فرنسا؟
لم أفعل ذلك بمفردي، طبعا كنت رفقة مجموعة من الفدائيين، حيث تمكنا من القضاء على عدد معتبر من جنود فرنسا والكولون، من خلال قنبلة مختلف الأماكن التي يتواجدون فيها بكثرة، وقتلت خمسة عساكر في عملية قمت بها في حانة، وقتلت ثمانية فرنسيين في حانة أخرى، وجرحت 18 فرنسيا في ذات العملية، وفي عملية أخرى قضيت على فرنسي وجرح 14 فرنسيا، وغيرها من العمليات التي نفذناها في مواقع مختلفة بالعاصمة.
هل كنت أنت من يحدد الأماكن التي يتم استهدافها؟
نعم، أنا الذي كنت أحدد الأماكن التي كنا نقوم بضربها، وقبل العملية دائما أكلف عنصرين من فرقتي بمعاينة المكان قبل تنفيذ العملية، ويبقى المكان المستهدف تحت أعيننا طيلة أسبوع قبل موعد تنفيذها، وتمكنت في ظرف سنتين من تنفيذ 10 عمليات فدائية، حيث كنت أوظف دراجتي في العمليات الفدائية التي كنت أقوم بها.
يقال أنك هربت ضابطا في جيش التحرير الوطني باستعمال تلك الدراجة؟
نعم، قمت بتهريب الضابط في جيش التحرير الوطني لزبر إسماعيل، والذي كان مصابا وكانت سلطات الاحتلال الفرنسي تنقله في كل مرة إلى مستشفى مصطفى باشا من أجل علاجه لغرض استنطاقه فيما بعد، واغتنمت فرصة نقله إلى المستشفى للعلاج، ودبرت لهروبه من الباب الخلفي للمستشفى، وأخفيته في منزلي إلى أن استعاد لياقته البدنية والتحق بعدها بجيش التحرير الوطني في الجبال.

هل تعرفت على ياسف سعدي خلال نشاطك الفدائي بالمنطقة الحرة؟
لا، لم أتعرف عليه هناك، ولكنني تعرفت عليه في سجن سركاجي، عندما حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات ودخل السجن سنة 1957 وأطلق سراحه قبلنا سنة 1961.
كيف كانت تعاملكم السلطات الاستعمارية في السجون؟
أنا شخصيا بقيت تحت آلة التعذيب الفرنسية مدة 33 يوما بفيلا “الناظور” بالأبيار، وتلقيت أبشع أنواع التعذيب على يد الضابط “لامي“، وأجبروني على الاعتراف ببعض العمليات التي قمنا بها، ونقلنا رفقة صديقي بلفروم مسعود إلى أماكن العمليات التي دبرناها وقاموا بالتقاط صور لنا بالمكان ونشر خبر إلقاء القبض علينا، وكتبت الصحف الفرنسية على صفحاتها الأولى أنه تم إلقاء القبض على فوج من “العصاة“، وحولنا بعدها إلى سجن سركاجي ووضع كلينا في زنزانة خاصة به، ووضع محمد بكرار ومولاي شريف حميد بقاعة أخرى، هذه هي المعاملة التي كان يلقاها كل السجناء المجاهدين، وكانت سلطات الاستعمار الفرنسي تنوي إعدامنا، إلا أننا نظمنا إضرابا عن الطعام، وقمنا بحرق السجن، الأمر الذي جعل سلطات الاستعمار تتراجع عن ذلك، كنا نترك بلا ماء وشراب، وتكتفي السلطات الاستعمارية بمنحنا شيئا من الماء كل عشرة أيام حتى لا نموت فقط، ويوم نقلت إلى سركاجي كنت مصابا.
هل نجحت سلطات الاستعمار في استنطاقك؟
يتنهد “عمي مقران” ثم يرد.. “يا حسراه يماك وباباك تقري عليهم بالتعذيب“، كنت أفضل الموت على أن يلقى القبض علي حيا، نعم، لقد اعترفت ببعض العمليات التي نفذتها رفقة مجموعتي، ومقابل ذلك لم أتحدث عن غالبية أصدقائي في العمل الفدائي على غرار زيدان منصور الذي لو ألقي القبض عليه لاعتقل الاستعمار كل سكان مقاطعة “صالومبي“، عبد القادر كذلك لم أتحدث عنه حتى يتمكن من الهروب، زادي مولود الذي مايزال على قيد الحياة، كذلك لزبر مولود هربوا، لم أرغب في الحديث عن أحد من أصدقائي، ولكن السلطات الاستعمارية واجهتني بعدد من الذين كانوا يساعدونني في العمليات الفدائية التي كنت أقوم بها، وأحب أن أقول أنه يستحيل أن يصمد أي شخص أمام التعذيب الذي كانت السلطات الاستعمارية تسلطه على الذين يتم اعتقالهم، وأذكر أنني التقيت في السجن باثنين من لجنة التحقيق التابعة للمجاهدين، وبعدها قصدني في السجن كل من مصطفى فتان، “سي أحمد فخار” و“زرزور“، وأخبروني أنني سأقف في المحكمة الفرنسية مجددا بعد الطعن في الحكم بالإعدام الصادر في حقي رفقة بلفروم مسعود، وأن جبهة التحرير الوطني كلفت محاميين من فرنسا للدفاع عنا، وطلبا مني أن أنكر كل ما أدليت به من قبل، وبعد أن مثلت مجددا أمام التحقيق، أنكرت كل ما كنت قد اعترفت به، وتم وضع قضيتي للتحقيق أكثر، جاءت عناصر منظمة الجيش السري الفرنسي إلينا في سركاجي لغرض إعدامنا، فانتفضنا في السجن وقمنا بعملية حرق كبيرة وطردنا مدير السجن، وقاموا بعدها بنقلنا إلى زنزانة أخرى مع بقية المساجين وبعدها أعلن عن وقف إطلاق النار.
أين ألقت السلطات الاستعمارية القبض عليك؟
ألقت السلطات الاستعمارية القبض علي في “واد أوشايح” بالعاصمة، عندما كنت أحضر نفسي لأصعد إلى الجبل، قصدت المكان لترك زوجتي الحامل هناك، وتركت سيارتي وبيتي واستولت العساكر الفرنسية على دراجتي كذلك بعد اعتقالي.
هذا يعني أنك كنت ميسور الحال، لأنه قلما نجد من يملك سيارة من الجزائريين؟
كنت من أهم الرصاصين في العاصمة، وكان الفرنسيون يقصدونني لتركيب وتصليح مدافئهم، ونجحت في العمل الفدائي، لأن الفرنسيين كانوا يثقون بي وعندما ألقي القبض علي، توجهوا إلى والدي وحاولوا قتلهما لولا أنهما هربا، كما أحرقوا سيارتي.
ألم تلتق بالعربي بن مهيدي خلال مرحلة نشاطك الثوري بالعاصمة؟
لا..لا، لم التقه من قبل، أعرف المجاهدين الذين كانوا يعملون معه، على غرار علي لابوانت الذي كان صديقي، وكريم بلقاسم كذلك.
ما رأيك في طريقة استشهاد علي لابوانت وحسيبة بن بوعلي، يقال أن ياسف سعدي وراء حادثة الوشاية بهما؟
لا أعتقد ذلك.
لماذا لم يتعرض للتعذيب على غرار بقية المجاهدين الذين اعتقلوا إذن؟
هذا صحيح، ياسف سعدي لم يتعرض أبدا للتعذيب، تحدث معي يوما في السجن، ولكنني لم أرد عليه، قصدني بعدها أحمد فخار وقال لي، يقال أن هذا الشخص مشبوه، ولكن بوعلام النجار وبوعلام البسكري وهما على قيد الحياة استبعدا ذلك على أساس أن الطفل عمر هو قريب ياسف سعدي، ولكنه ملأ حقيبته بالأموال، وأعتقد أنه أغنى من بوتفليقة نفسه، وأذكر أنني رفضت يوما مصافحته عندما مد يده لمصافحتي.

من أين حصل على المال في اعتقادك؟
حصل عليه باسم الثورة ويملك “يختا“، ويملك أكبر وأفخم الفيلات بالعاصمة.
لماذا رفضت مصافحته؟
لماذا يملك هو الملايير ولا أملك أنا شيئا، رغم أنني قتلت أضعاف أضعاف ما قتل هو، من بينهم الكولونيل “ماثيو” رئيس المنظمة الفرنسية الخاصة.
قلت أنك مازلت تجاهد وتناضل إلي اليوم، ماذا تقصد بكلامك؟
أنا ابن الكشافة الإسلامية الجزائرية منذ 1946 بحي بلكور، درست القرآن وسني لم يتجاوز 13 سنة، كان يأتي إلينا البشير الإبراهيمي ويوزع علينا التمر ويحثنا على حفظه، كما أنني أسست في زمن الاستقلال مسجد أبي عبيدة بن الجراح بباش جراح، نعم مازلت أحارب أعداء هذا الوطن حتى الآن، وحتى لا أقول “السلفية” كما يلقبون أنفسهم، لأننا كلنا نسعى لأن نسير على نهج الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أقول “التلفية” أو سلفية “الجيوب“، الذين يتاجرون بالإسلام، المسلم لا يسرق ولا يكذب، وطني، ولا يثير الفتنة في بلده، الإسلاميون مهدمو الأمم، لا أتحدث عن الإسلام، ولكن أقصد الذين يتاجرون بالإسلام، الإسلام لا يحتاج إلى قميص ولا إلى لحية، الدين ليس بحاجة لكل هذا، أنا أحاربهم بكل ما أوتيت من قوة، تجدهم يقومون باجتماعات في المسجد، إمام يعمل لمصلحة “الفيس” وآخر لمصلحة حماس، طردت خمسة أئمة من مسجد ابن الجراح، أحدهم سرق 175 مليون من أموال الزكاة الموجهة لخدمة المسجد، وهو اليوم يملك سيارة آخر طراز، وشركة تصدير واستيراد، وإمام سرق كبش العيد الذي اشتريناه ليوزع على الفقراء، جئت به حارسا وأصبح إماما في المسجد، وعندما سرق الكبش شكوته للأمن، وتم توقيفه، الإسلام رحمة وليس نفاقا، ويكفي أن أقول أنهم حطموا كل ما هو جميل في البلدان، وسبب المأساة التي عاشها الجزائريون كانت باسم الإسلام، سأحاربهم كما حاربت فرنسا، لأنه لا علاقة لهم بالدين، نحن ندين بإسلام واحد والله عز وجل قال من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة، كما أننا قاسينا من هؤلاء في العشرية السوداء، فقد فقدت ابني، وفقدت زوجتي بصرها من شدة فاجعتها لفقدان ابنها، ومن شدة هول ما تعرضنا له.
ماذا حدث بالضبط؟
اعتقل ابني سنة 1997 وذبح رفقة ثلاثة شباب وقطع رأسه، بعد أدائه لصلاة العشاء في مسجد ابن الجراح ورمي بشاحنة إلى الحفرة، وأذكر أن عليق رئيس اتحاد العاصمة السابق قصد بيتي ووعدنا بمساعدتنا، ولكننا لم نره إلى اليوم، كما أنني تعرضت لمحاولة قتل، حيث أن إرهابيين تنكرا في الزي العسكري وأطلقا علي 28 رصاصة في حدود الساعة العاشرة ليلا، ولو لم أكن فطنا لفقدت حياتي هناك، حيث أصبت على مستوى مناطق مختلفة من جسدي وخاصة في ذراعي، ونقلتني مصالح الشرطة إلى مستشفى بن عكنون، وتبين في الأخير أن الذي دبر لقتلي هو الإرهابي المدعو “فليشة” وجماعته.
هل أنت راض على جزائر الاستقلال؟
المجاهدون الحقيقيون لم يستفيدوا من جزائر الاستقلال، لست غنيا ولست فقيرا، بناتي يسكن في بيوت قصديرية، طالبت السلطات بأشياء كثيرة ولكن لم تلب أي من هذه الاحتياجات.. الحمد لله “جبنا الاستقلال“، وهو الأهم بالنسبة لنا، فالقائد عميروش رحمه الله كان يقول لي باللغة الأمازيغية : “أمي أمي أنتش لحشيش ولا فرنسا“.
هل سبق وأن التقيته؟
نعم التقيته في أكتوبر 1958 في حمام سيدي يحيى بأوزلاغن، لدى قيامه بإحدى العمليات بمنطقة أقبو.
كم قضيت معه من الوقت؟
ليلة واحدة فقط.
ما هو الشيء الذي بقي في مخيلتك عن القائد عميروش؟
تأثرت كثيرا بطريقة تعامله مع الجنود، أذكر أنه عندما وضعت قصعة الحطب الكبيرة لتناول العشاء، أذكر أن عميروش لم يكن بين الجنود الذين جلسوا لتناول الطعام رفقة “سي حميمي” وعبد القادر البريكي رحمه الله، وعندما شبع الجنود، تقدم الرجال الثلاثة من قصعة الحطب وقاموا بجمع بقايا الطعام المتناثرة في قصعة الحطب وقاموا بأكلها.