يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله
كثيرا ما تسوّل النّفس الأمّارة بالسّوء لصاحبها أن ينظر في أمور دنياه إلى من هم فوقه من أصحاب الأموال والمناصب، وينظر في أمور دينه إلى من هم دونه من أهل الغفلة والتّفريط، ليجد لنفسه الأعذار والمبرّرات ليستمرّ في غفوته وغفلته وتهاونه في حقّ خالقه، فإذا ما ذُكّر ببعض الآيات وبعض الأحاديث التي تدعو إلى الاجتهاد في طاعة الله وتحذّر من التّفريط في جنب الله، أو بمواقف عبادِ الله الصّالحين في أزمنة مضت، تعلّل بأنّ زماننا هذا زمان عصيب وهو -على خلاف الأزمنة الماضية- زمان فتن وشهوات، والالتزام فيه ليس بالأمر الهيّن، وينسى أنّ حوله في هذا الزّمان عبادا لله صالحين؛ يتّقون الله، ويحذون حذو الأولين في صلاحهم وحرصهم على طلب رضا الله؛ لم تلههم الدّنيا، ولم تُغْرهم الشهوات، ولم ينساقوا للفتن، غاية همّ الواحد منهم أن يزداد في كلّ يوم قربا من الله، وأن يكون له في كلّ باب من أبواب الخير والأعمال الصّالحة حظّ ونصيب.
فإذا كان الواحد منّا لا يصلّي الصّلوات الخمس في أوقاتها إلا مع مشقّة وعناء، ولا يعرف قيام اللّيل إلا في رمضان، فإنّ لله عبادا في زماننا هذا يقومون اللّيل في رمضان وفي غير رمضان، وينصبون الأقدام بين يدي الله في ثلث اللّيل الأخير كلّ ليلة، ساعة وساعتين وثلاثا؛ هذا مثلا رجل صالح في زماننا هذا، نحسبه كذلك، بعد وفاته تروي زوجته أنّه كان يقوم الليل بثلاث ساعات يُناجي ربه ويدعوه، وفي يوم من الأيام تأخر فلم يستيقظ إلا قبل الفجر بساعة، فلما قام قال: “إنّا لله وإنا إليه راجعون، اللهمّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها”. أصابه حزن شديد لأنه لم يقم إلا ساعة واحدة!. بل هناك من عباد الله المبتَلين بالعاهات والأسقام، من يكابدون الليل، ويسبلون الدّمعات بين يدي الله في ثلث اللّيل الأخير من كلّ ليلة؛ هذا مثلا رجل من هذه الأمّة، ابتلي بشلل رباعيّ، يتّصل ببرنامج للفتاوى ليسأل المفتي إن كان يجوز له أن يتيمّم إذا لم يجد من يُعينه على الوضوء في ثلث اللّيل الأخير.
وإذا كنّا نحن المفرّطين، لا نكاد نصلّي في المساجد إلا في رمضان وفي أيام الأعياد والجمعات، فإنّ لله في هذا الزّمان عبادا صالحين، ينافسون على الصّفوف الأولى، وعلى إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام في كلّ صلاة، همّهم أن يحظوا برضا الله، وأن يَكتب لهم الحنّان المنّان براءة من النّفاق وبراءة من النّار؛ يروي أحد الدّعاة أنّه كان في أحد المساجد، فجأة سمع جلبة عند الباب، رجل يدخل ينظر إلى محراب المسجد، ثمّ يخرّ ساجدا عند مكان وضع الأحذية، ظنّ النّاس أنّه مجنون!. ثمّ تقدّم وصلّى ركعتين بكلّ اطمئنان، ثمّ أخذ المصحف وبدأ يقرأ، حتى أقيمت الصّلاة. يقول الدّاعية: بعد الصّلاة رصدتُه، وأوقفته لأسأله، نظرت فإذا الدّموع على خدّيه، سألته عمّا صنع، وهل هناك أمر جعله يسجد عند مكان النّعال؟ فقال: نعم هناك أمور. سمعت حديث النبيّ صلى الله عليه وسلّم: (من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق). اليوم لي 39 يوما لم تفتني تكبيرة الإحرام. أخذتني غفوة، فلمّا استيقظت وجدت أنّ وقت الأذان قد مضى، ركبت سيارتي، وأخذت أطوف من مسجد إلى مسجد وأنا أبكي، وأدعو الله “يا ربّ لا تحرمني فضلك”، وعندما دخلت هذا المسجد ووجدت الصّلاة لم تقم، ما ملكت إلا أن أسجد عند النّعال لربّ العالمين، شكرا له. يقول: أنا أذوق طعمها عند كلّ تكبيرة إحرام.
ألا فلنتّق الله في أنفسنا وأعمارنا، فإنّه –والله- لا عذر لأحد في كثرة المفرّطين.. لِنتّقِ الله قبل أن يأتي على الواحد منّا يوم يندم فيه على أيام عمره التي أضاعها في الغفلة عن الله، ويبكي وينتحب حيث لا ينفع البكاء والنّحيب، وينادي بلسانه وقلبه وروحه: “يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِين”.. كلّ واحد منّا سيأتي الله وحده، وسيحاسب وحده، ولن ينفعه إن كان مفرّطا أن يكون أهل الأرض جميعا كذلك، فـ”كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ”، كيف وهو يرى مِن حوله عبادا لله صالحين، سيكونون حجّة على كلّ غافل وكلّ مفرّط وكلّ مسرف.