يا فرنسا إن ذا يوم الحساب!
إذا كانت فرنسا تريد أن تقيم مصنع “رونو” في الجزائر، كهدية أو”عربون محبّة” لطلب صكوك الغفران، فإن ذلك قد يكون مبرّرا، لكن أن تكون فرنسا ترغب في استخدام ملف التعاون الاقتصادي كـ”رشوة” لدفع الجزائريين إلى التنازل عن مطلب الاعتراف والاعتذار والتعويض، عن الجرائم الفرنسية، فهذا ضرب آخر من الخيال!
لا يُمكن أيضا للتسهيلات المتعلقة بمنح “الفيزا” لطالبيها من الجزائريين، أن تسلك طريق “الرشوة” السياسية لشراء ذمم “جيل الاستقلال”، ودفعه إلى تناسي وتجاهل الدين الذي على فرنسا أن تدفعه “ثالث ومثلـّث” لفائدة “جيل الثورة” الذي مازال ينتظر الاعتراف والاعتذار، حتى وإن كان ذلك لن يُعيد إحياء المليون ونصف مليون من الشهداء الأبرار!
لا ينبغي لمطلب تجريم الاستعمار الفرنسي، أن يتحوّل إلى ملف يُكلـّف به فقط وحصريا، المؤرخون والباحثون في تاريخ الثورات القديمة والمعاصرة، وإنـّما هذه “القنبلة” عليها أن تبقى من صلاحيات ووظائف السياسيين والحكومات والأحزاب والبرلمان والأسرة الثورية، وكلّ المجتمع المدني والمنظمات الجماهيرية!
يبدو أن فرنسا الرسمية، تتماطل في الاعتذار والتعويض، لأنها تعتقد مخطئة، بأنها عوّضت الجزائريين وتعوّض ورثة الثورة يوميا، من خلال احتضانها لآلاف الجزائريين المهاجرين والمقيمين والموظفين فوق التراب الفرنسي، وأنها تعوّضهم من خلال الجزائريين حاملي الجنسية الفرنسية، وأنها تعوّضهم بمنحهم تأشيرة الدخول إلى فرنسا كسيّاح أو طلبة أو عمّال أو رجال أعمال!
لا يجب الخلط بين التعاون والاتفاقيات الثنائية، وبين ملف الذاكرة التاريخية، التي تستدعي طيّ الصفحة من دون تمزيقها، بواسطة الاعتراف والاعتذار وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، قبل أن “ينقرض” جيل الثورة، ولا يعيش طعم “الانتصار” الثاني، بعد الانتصار الذي توّج بالاستقلال في العام 1962!
نعم، جيل الاستقلال هو امتداد لجيل الثورة، وبالتالي لا مكان لمصطلح “انقراض” في العلاقة بين الجيلين اللذين رضعا من الوطنية والنزعة الثورية، وحتى إن اختلط التصالح بالمصالح، فإن الاعتذار يبقى حقا وواجبا مهما تعاقبت السنين، وتبدّلت الأجيال، هنا وهناك!
لا يُمكن للأقوال بدل الأفعال أن تغيّر مجرى التاريخ، مثلما لا يُمكن للنوايا السيّئة أن تحقق الهدوء والسكينة بين بلدين مازالا متناقضين في تفسير الاستعمار، ويستحيل لفرنسا أن تتنازل طالما أنها مازالت تتوهـّم بأن هناك “دورا إيجابيا” للمستعمر الغاشم، وطالما أن وزيرا مثل كوشنير، يستفزّ الجزائريين بمقاطعة وزير مجاهديهم، ووزيرا مثل لونغي يُصدر إشارة غير أخلاقية ويُسمّيها ذراع الشرف، ردّا أيضا على وزير مجاهدي الجزائر!
إذن، الثورة التحريرية المجيدة، مازالت “عقدة” المسؤولين الفرنسيين، مثلما تظلّ لعنة الشهداء تلاحق فرنسا الرسمية التي تبرّر تهرّبها من الاعتذار والاعتراف بالجرائم الاستعمارية، بعمليات “القتل” التي ارتكبها المجاهدون في حق المعمّرين، وكأن “فافا” كانت تنتظر استقبال قواتها بالورد والياسمين، وهي من دخلت بنية احتلال بلد سيّد ومستقلّ!
لا يُمكن أبدا المساواة بين الضحية والجلاد، وبين المستعمًر والمستعمر، ولا بين السارق والمسروق، والقاتل والمقتول، وإذا كانت فرنسا ترفض الاعتذار وفاءا لذبّاحيها من طينة أوساريس وبيجار وماسو، فكيف بالجزائر سترضى بالتنازل وهي الوفيّة لبن مهيدي وعميروش وديدوش وزبانة وسي الحوّاس وبومدين، والوفية أيضا لـ”قسما بالنازلات الماحقات؟”