الرأي

يا كبار الجنوب، لقد كدتم تتصاغـرون في بيروت…

أحمد بن محمد
  • 6532
  • 0

إلى متى سنـبقـى أمّـة مولعة بتقليد ريــطــة الحمقاء التي كانت تـنقض غزلها، من بعد قوة، أنكاثا؟ فقد ظـلّ الجزائريون يطاولون أشقاءهم بنعمة ثورة المليون شهيد التي تباهت بها الأمّة كلها، في وجه غـرب له يد تصفـع وبطن ـ من حق وباطل ـ لا يـشبع!

 
 

ولكـنّ نبوءة البأس البـيني وسط المسلمين ـ في العلم النبوي الشريف ـ تجسدت أيضا في الاقتـتال الداخلي الغـبيّ الذي أنقص من وهج ثورتنا الجهادية ضد فرنسا ـ فأساء الناس، منذ أكثر من عشرية دموية، إلى الشهداء قبل الأحياء.
ولم ينج ُمن هذا المآل لا عــراق، وقد صار عـُـراقا، ولا فـلسطين ـ قبل أن يُــقـبل ليل لبنان الـزاحـف منذ أكثر من عامين.

فـرح الأمريكان بعد أن بدا للدنيا أنّ الجوّ خلا لهم إثر سقوط بيت العنكبوت الشيوعي، فــرَاحوا يتبخترون في العراق قبل أن تـذيقهم المقاومة وبال أمرهم، إلى أن انتهى بهـا المطاف أحيانا ـ يا حـزني! ـ إلى التعبد الفاسد بقتل المسلمين أنفسهم، وسط بيوت الله تعالى وفي الأسواق، بأحزمة ناسفة لا تفرق بين طفل وامرأة وشيخ من أمّة الرسول العزيز…

فعـشـرات الآلاف من ضحايا العراق الذين سقطوا بعد الاحتلال الأمريكي، إنما قتـلهم أساسا معـقـّــدون من هنا وحاقـدون من هناك ـ وقد انطلقوا جميعا من نفسية معـتـلة ومن ذهنية مخـتـلة.

فالمسلم المسكين في العراق يقـتـله اليوم الغـريبُ النصرانيّ… والقريبُ المسلم ـ تقريـبا على حد سواء!

  
و لكن الانهيار العام لم يبدأ انطلاقا من بلاد الرافدين.

لقد كان بعض الإسلاميين الجزائريين حيارى، بل كانت أنفاسهم حرّى، وهم ينظرون إلى المظلومين يـشطون في استرجاع حقهم الانتخابي، من خلال ردّ فعل، أعملوا عبره السيف في غير اكـتـــناه نص شرعي ولا تقدير مصلحة.
فكان من المحرقة الجزائرية أن نجا منها الجاني، وهلك فيها المستضعف ـ من الجانبين ـ مع الشيخ الفاني…

  
وكم كنا نغـبط أبناء الشهيد الغالي أحمد ياسين وقد ابتعدوا عن الدم الفلسطيني، رغم ما كان لدى الطرف الآخر من داء وأخطايا وأخطاء.

ولكن إلى حين.

إلى أن جاءت أحداث غزة ـ 2006 ـ، فلم يعد معها الخـاطـئَ الوحيدَ لا فريق أوسلو المتهافت ولا ذاك العقيد المتصهين التـليد!

وشاهد الناس أســـودا تعبث في غـزة.

وفي تعجـل من أمرها، راحت تـقترب قـليلا من فخ تقليد الذئاب والثعالب.
وإذا كان الناس يضحكون ـ وبعض الضحك بكاء ـ وهم يشاهدون سـُـلــيـْـطة الضفة وهي تفتح السجن وتنشئ محكمة أمن »الدولة« العليا، في غياب مجرد دولة جنينية، فقد حزنت الأمـّة وهي ترى طلاب جنة الخلد يحملون العـصـيّ، يضربون بها ظهور الأهل ـ ولو كانوا من الطرف السياسي الآخر.

أحـَـشفا وسوء كيلة؟ بل أمولودا خديجا ومشاغبا؟

 إنّ الحـرّ يأبى ظلم الناس ولو كان قـويا ذا سطوة أو سلطة، فما بالك وهو مسـتـضعـف من قبل شذاذ الآفاق؟

ضعـُـف الظالم والمظلوم!

  
ولكن ما الحال في لبنان، بعد هـزّة مايو 2008؟

مهما كانت المبالغة في حجم رد فعل المقاومة، فإنّ قراري الحكومة اللبنانية هما اللذان كانا الشرارة المباشرة أو الظاهرة في اندلاع هذا الفصل من أزمة قديمة معقدة.

ومع ذلك، فإنّ الصورة اليوم بها غـبش، بخلاف صفائها المطلق في 2000 ونقائها الغـالب في 2006.
ممّا نصاعة النصر الرباني في 2000، وجدت الأمّة نفسها في إجماع حول المقاومة ضد العدو المستكبر في الأرض، وقد سحب عسكره مندحرا إلى حدود فلسطين الشمالية.

لكنّ نتيجة 2006 لم تكن بنفس البياض، رغم حرمان الصهاينة فيها لأول مرة من الانتصار العـملياتـي.

ولكثرة هزائم قيادات الجيوش العربية مع تل أبيب، فقد انـتـشر قهرا في أجهزة الإعلام العربية لفظ »انتصار«، على إثر صمود المقاومة البطلة ـ بدل مفهوم »عدم انتصار« الصهاينة في ما سـمّي »حرب تموز«…
ولئن ارتضت الجماهير مثل هذا التقويم السياسي المشبع لجوعة نفسية عميقة لدى أصحابه، فإنّ أمانة الحسابات الاستراتجية تفرض الصدق مع الأمّة ومع النفس اللوامة اليقظة، لكيلا تكتوي الشعوب الطيبة من أي ربا أخلاقي يجعل ضحاياه يقتربون من الذين (…ويحـبـون أن يـُحمدوا بما لم يفعلوا).

إنّ حسرات حكومة الاستيطان في حرب 2006 وعويل الصهاينة في المخابئ حقيقتان لا يحق لنا من خلالهما أن ننسى إسكات جبهة الجنوب اللبناني عن طريق الاستجابة السريعة للقرار الأمميّ الداعي إلى منع القتال، وما تبع ذلك من فصل المعسكرين بقوات اليونيفال.
فقد استوى بذلك جنوب بجولان وبسيناء…

ولا يغرنّك بعد ذلك تباكي أو مسكنة يهود عبر تقرير فينوغراد الذي ينتظر العرب مثيلا له من جهة المقاومة. أم أنّ الصهاينة أصدق مع شعبهم من رساليـّين مع أمـّـتهم؟

  
أما هذا الفصل، فقد يأتي بعده زمان يقول فيه الناس للمقاومة: الصيف ضيّعت اللبن، بعد أن بدا لكثير من المؤمنين أنها في 2008 أدارت ظهر المجن!

 
فالحديث عن قرار قيادة المقاومة اجتياح بيروت الغـربـية ـ ذات الأغلبية »السنية« ـ حـق لكل مسلم، لما في الأمر من تداعـيات لا تتوقـف عند الحدود اللبنانية…

وليس أقل هذه التداعيات تلك المخاطر المنذرة بانتقال الفتنة من العراق إلى بلاد الأوزاعي…

إنّ هناك على الأقل أمرين يبرران الصدق المؤلم المريح مع قيادة المقاومة.

أولهما نصرة الأخ بإسداء النصيحة له لكيلا يطمع التلوث في بياض ثوبه.

وثانيهما أنّ تعليق إمضاء الحدود الشرعية وقت الحرب، كما قال أحناف وإمامية، لم يعُـد له محل اليوم، ولبنان كله تقريبا ملك يد المقاومة التي انزاح عنها الاستضعاف.

وفوق هذا وذاك، فإنـّه آن للأمّة أن يتصالح كل أفرادها ـ في الحياة عموما وفي السياسة خصوصا ـ مع تلك الذهنية التي كانت، أيـّام النبوة الكريمة، ملأى بثـنائي المحـبة الناقـدة الذي عبّرت عنه حكمة »أحبب صديقك هـونا ما، عسى أن يكون خصمك يوما ما، وأبغض خصمك هـونا ما، عسى أن يكون صديقك يوما ما«.

إنّ العصمة عند معظم المسلمين لا تكون إلا لنبيّ.

وصدق الإمام عليّ عندما رد على مُـبغـض حاقد جاء يتملقه: »يا هذا، أنا دون ما تقول وخيـر مـما في نفسك!«.

وهذا ما حاول الاقـتراب منه الكاتب الفرنسي بومرشي بقوله: بدون حرية القـدح، لا قيمة للمدح!

  
والذي درج عليه الصحابة الكرام في هذا المجال ـ من يقظة ذهنية ـ هو ما أدركته بعد ذلك الشعوب الغربية ـ عبر ثقافتها المدنية ـ وهي تحب الشخص اليوم وقد تطيحه بعد غد!

فمتى يتخلص المسلم ـ بدوره ـ من كل أشكال الوثــنـيّـة السياسية المنصبة على التنظيم أو الفكر أو الشخص، فيستطيع حينئذ حب قائد مع نقده، والإعجاب بعالم يبدي اختلافه معه، ورفض اختيار مرشح تنظيم رغم الانتماء إليه؟
أما حكاية »الزعيم الخالد« و»القائد المعلم«، فهي متروكة لأهل الاسـتـنعاج السياسي في أوساط النخب المرتـشـية التي أفسدت جزءا معتبرا من الرأي العام…

إنـّّه لا أوقاف في السياسة.

 وناخبك أو محبـّـك بالأمس قد يصبح خصمك غدا.

و اشهدي اليوم يا استطلاعات الرأي حول انهيار شعبية الفرنسي سـركوزي أو الأمريكي بوش، رغم انتخابهما الحـر…

ولذلك سيظل أداء المقاومة اللبنانية فوق ما يقوله الأعداء، ولكن ـ أيضا ـ تحت مستوى ما يروّجه الأولياء!

  
لم يألف الناس رؤية فرسان الجنوب وهم يظهرون بعض قـوّتهم في بيروت!

فقد كانت ساحة الوغى عندهم تسمّى بنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا!

وهـَـب الهدف نبيلا عبر إخافة الحكومة، فإنّ قيادة المقاومة أخطأت في تحديد الوسيلة!

وكيف لا، وقد اجتاحت بيروت الغـربية ـ دون الشرقية ـ مما أعطى للناس صورة مسلم يستضعـف مسلما!

والحقّ أنّ أشخاصا مسلمين من الأكثرية كانوا عند الاجتياح أكثر رزانة من قيادة المعارضة، ذلك أنّ افتقادهم القـوّة لا يفسر وحده ما بدا للناس من حرصهم على تفادي الكارثة.

  
»شيعي« يسـتعـلي على »سنـّّي«… تماما مثل »سـنـّي« يتطاول على »شـيعي«!

يا للغـنيمة!

أفلم يكن بوسع المقاومة أن تـتدرج ـ قرآنيا ـ في إبطال القرار الجائر المنصب على شبكة الاتصالات؟ بل وأن تعطـّـله بمجرد تجاهله؟

أما حكاية عميد المطار المعزول، فقد سكـتـت قيادة المقاومة عن الذين قـُتـل عندهم من هو أكبر: الحاج رضوان، صاحب القبر الذي اهتز أمامه بعض الجزائريين!

والذي زاد في الفتنة علة، أيها المضحون، أنّ امتشاق السيف ذاك لم يكن بقـوة ذاتية، بقدر ما كان بإمداد وعتاد لم تمنحكم إياهما إيـران إلا بنيـّة استعمالهما أساسا ضد المحـتـلّ الصهيوني…

إنـه ليس عـيبا، في مثل حالتكم، أن يستعين أخ بأخ لكم أكبر ـ ما ظل الأمر ضد العـدوّ المشترك.

ذلك أنّ سلاح أمريكا الذي تمد به تل أبيب، لا يستعمله يهود الأشكناز ضد يهود السيفراد ولا حتى ضد يهود الفلاشا!

  
إنّ إيران مقبلة على استمرار مواجهتها مع الغرب المؤسساتي.

ولذلك فهي لا تحتاج إلى من يلحّ في تذكيرها بأن حليفها المنطقي ـ إيمانيا وجغرافيا ـ في أوساط معـظم المسلمين غير »الشيعة« قد ينقـلب إلى خـصـم أو إلى أخ غير شقيق لا يهمه إلا بيته!

طهران لن تخيف أولياءها إن حرصت على حقيقة الظهور بهذا الترتيب: مسلمة شـيعـية إيـرانية!

وطهران قد تفقد محيط تحركها الخـَـليقـي الأخويّ إن أحس منها ترتيبا جاهليا معكوسا مثل: إيرانية شيعية مسلمة!

وهل تردد الأعداء في ضرب إيران »الشيعية« إلا بفضل الله تعالى عبر دروس ضربات المقاومة »السنية« الموجعة للأمريكان، رغـم أخطائها وخطاياها؟

إنّ التعاون بين أجنحة المسلمين عبادة أو على الأقل إنسانية ومصلحة…
ولا شيء أحسن مـِـن حــَـان على ذريـّة عمر أو سلمان!

  
فالطمأنة، الطمأنة! يا بعض عشاق أبناء فاطمة!

والشرع المنـزّل قبل وَفـوق الشرع المـُـؤوّل ـ بتعـبير أحد علماء دمشق.

 وفي لبنان وفي الخليج!

»خليج القرآن« ـ كما اقترحها تسمية أحد المغاربـيـيـن، بما يريح فــُـرسا وعـربا

فبمثل هذا المسلك، تهدأ النفوس تدريجيا، فلا يجعل بعض القوميين حينئذ مسألة جزيرة طـنب الصغرى، قرب الإمارات المتحدة، مقدَََمة في الهمّ على فلسطين الكبرى ـ مثلما قالها لهم أحد الجزائريين في الخليج في 2006، وعلى الجزيرة/مباشر.
بل وحينئذ لن يطالب الأخ َالجارَ بالجزر الأربع في الخليج ـ وفق النصوص الشرعية ـ إلا من يجرؤ على طلب فلسطين كلها من العدوّ الغريب ـ وليس بالضفة والقطاع وحدهما، كما ألـِـف ذلك أبناء أبي جهل من حلفاء أنظمة الطغيان والعجز والتخلف!
  
كما أنّ الذي زاد في الطين بلة، ذلك الابتهاج الناريّ بعد إلغاء القرارين الحكوميين ـ وهو فـرح لم يشاهده الناس إثـر انتصار لبنان كله على نفسه بعـد اتفاق الدوحة.

إنه تقديم الثمرة على الشجرة أو النواة قبل الثمرة…

فما هكذا إذن تكون أخلاق »النصر« ـ إن كان هناك نصر!

والنصر على من؟

على حكومة عميلة؟

أهي التي تفاوضُ اليوم تل أبيب عبر قدماء الإسلاميين الأتـراك؟ وهل هناك سِــفاح غير مباشر حتى تغـضوا الطـرف عن مفاوضات سياسية »غير مباشرة«؟

ويا خـصوم ما سـُميّ »اتفاق 17 أيار« (1983) المشؤوم، لماذا السكوت اليوم عن شقيق كمب ديفد الذي قد يُـسمّى غدا »كمب اسطـنبول«؟
ثم لِمَ التوقيع إذن مع هذه الحكومة »العميلة« على صلح الدوحة الجميل؟
بل ولـِمَ السكوت أو الرضا عن حكومة بغداد؟ أليست هي أيضا مَـرْضيا عنها أمريكيا؟

إنّ المرء يغالب نفسه هنا أيضا لإبطال شبهة المذهبية عن مثل هذا الموقف، ولكنّكم لا تمدوننا بما نطرد به الشيطان أو نـُكذب به الواقع…

بل إنّ مثل هذا التمييز في توزيع العمالة يذكرنا بتمييز آخر ـ على مستوى المحاكمة.

ذلك أنّ رفض القبعة الأمريكية في محاكمة قـتلة الحريري يقتضي ـ إيمانيا وأخلاقيا ـ رفض محاكمة صدام تحت إشراف أمريكي، مهما كان مَـقـتـنا لجرائره التي ختمها بفراره أمام الجيش الأمريكي يوم الزحف في 9 أبريل 2003.
بل وكيف يكون البعث بعـثين: بعثا طـيبا ـ »شبه شيعيّ« ـ في دمشق، وبعثا خبيثا ـ »شبه سنيّ« ـ في بغـداد؟

  

فلقد انزعج

مقالات ذات صلة