يا لثورات العرب من حسين أمريكا
“لأن الضفدع العربي لا يعلم أنه يُسلق على أتون المشتبه من الثورات، فإن سقوط النخب الحاكمة والنخب الطامعة في الحكم في لعبة تعريب القتال، بات يحمّل الشعوب مسؤولية البحث عن عام الجماعة لما بقي من فلول العرب، أو في الحد الأدنى حرمان السحرة من وقود الحرب على العرب بدماء العرب”.
كان هذا النص مقدمة لمقال “موازنات” نشر بتاريخ 11. 08. 2012 في خضم أحداث الربيع العربي، وقد يصلح اليوم أكثر لتوصيف أحوالنا، مع اتساع رقعة الفتن، وارتفاع وتيرة القتل اليومي في عموم الجغرافية العربية، وما هو قادم ألعن وأخطر، بعد أن أطلق الاتفاق الإيراني الأمريكي يد إيران في المنطقة، وظهور قرائن ملموسة عن حصول انقلاب دراماتيكي في السياسة الأمريكية تجاه حلفائها التاريخيين من العرب.
وضعَ العمامة لتعرفوه
حتى قبل أن يعلن رسميا عن الاتفاق حول الملف النووي الإيراني، كتب الصحفي البريطاني الشهير روبيرت فيسك في جريدة “أنديباندنت” منتصف هذا الشهر يبشر بـ“انفلاب جيوستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، قد يعود بإيران إلى دورها السابق في عهد الشاه المخلوع كشرطي على المنطقة“، مشيرا في نفس المقال إلى “سأم أمريكا من القوى السنية التي أهدت للعالم أسامة بن لادن و11 سبتمبر، ومن أموال الخليج الداعمة لداعش“، ويسرّ الرئيس الأمريكي في نفسه مآخذ أخرى على العرب لا يريد الإفصاح عنها، لأنها تُحسب عليه كهزيمة شخصية أمام أنظمة الخليج المتهمة بخطيئة إفساد وتخريب إدارته للربيع العربي، ودعمها لانقلاب العسكر في مصر.
جميع هذه المآخذ الأمريكية على العرب تكون قد أقنعت أوباما بالتعجيل بفك الارتباط مع العرب، ورفع الحماية الأمريكية التاريخية لأنظمة الخليج، وكان سيمضي في الاتفاق مع إيران أبعد من الاتفاق التقني في الملف النووي، لولا الخشية من ردة فعل اللوبي الصهيوني، المنزعج بدوره من إعادة تأهيل إيران وإشراكها في إدارة الشرق الأوسط مستقبلا.
استفاقة متأخرة للضفدع العربي المسلوق
لعلّ من حسنات الاتفاق الأمريكي الإيراني أنه أيقظ موطن الشعور بالألم عند الضفدع العربي وهو يسلق، لتأتي عاصفة الحزم كتعبير عن ردة فعل ولو متأخرة، أو لعلها مقدّمة محتشمة لاستفاقة عربية ماتزال تفتقر للرؤية الإستراتيجية، كما تعوقها حالة التشرذم التي طالت معظم النخب العربية على جميع المستويات، يشهد عليها غياب موقف عربي رسمي من الإتفاق، ثم من تبعاته على المنطقة، وتبعات ما يبدو أنه تحول دراماتيكي في الإستراتجية الأمريكية، التي لن تتوقف ترتيباتها الجديدة عند إعادة تأهيل إيران لقيادة الإقليم بالوكالة، أو تعويض الكيان الصهيوني بإطلاق يده في استكمال مشروع الاستيطان وتهويد القدس، بل تضمر شرا يتهدد بقية دول المشرق العربي، وفي مقدمتها السعودية المتهمة بحضانة التطرف الوهابي: الأب الشرعي لـ“داعش” ومن قبل لـ“القاعدة” في أدبيات دور الدراسات الأمريكية.
أسلحة الدمار الشامل التي لم يوظفها العرب
لست متأكدا أن مع بداية شعور الضفدع العربي بآثار السلق يكون قد التفت إلى ما يملك من وسائل ومقدرات للإساءة وإلحاق الأذى بمن يؤذيه، لا تسمح له فقط بالخروج من قدر السلق قبل بداية مرحلة الشيّ، بل يمتلك ما يكفي من المقدرات لنقل المعركة إلى ساحات المواجهات الأكثر إيلاما لأعدائه التاريخيين، وخصومه الجُدد، وهي كثيرة، مؤذية، ومكلفة لأمريكا، للغرب، وللكيان الصهيوني، كما للعدوّ الجديد المندفع من بلاد فارس، نذكر منها بعض أبرز عناوينها:
الولايات المتحدة التي تكون قد تحررت من التبعية لنفط العرب لم تتحرر من سلاح الدمار الشامل لاقتصادها ومصدر قوتها في الدولار، الذي قد ينهار في الساعات الموالية لقرار عربي يفك الارتباط بين النفط والدولار، كما هي تحت تهديد قاتل لو قررت الصناديق السيادية العربية والمودعون العرب سحب ودائعهم واستثماراتهم المالية في سندات الخزينة الأمريكية، وقد قدرتها مصادر عليمة بأكثر من 3000 مليار دولار.
ولأن الكيان الصهيوني يبقى هو العدو الأول، وقد خسر مع الإتفاق دور الوكيل الحصري للمنظومة الغربية بالشرق الأوسط، فإن للعرب فرصة حقيقية لرد الصاع صاعين لإدارة أوباما بإعادة احتضان كامل وفعّال للمقاومة الفلسطينية، بإعادة تأهيل مقدراتها العسكرية في غزة وفكّ الحصار عن حاضنتها الشعبية، وحجب الدعم عن إدارة سلطة أبو مازن التي لم تعُد لها وظيفة بعد إغلاق الصهاينة والأمريكان لما بقي من نوافذ ووعود أوسلو، ثم تبنّي قرار عربي له وزن رمزي بسحب “مبادرة السلام العربية” لعام 2002 والتي ألحقت في الواقع جميع الدول العربية بتبعات معاهدة كامب دافيد ووادي عربة.
عدو العدو صنعه أو اصطنعه
بقي الخصم القديم الجديد الذي تمنعنا الجغرافيا من إنكاره، كما يمنع صلفه تجاه جيرانه العرب التسويف في الذهاب نحو أحد الخيارين: إما الجلوس معه على طاولة المفاوضات لبحث وحسم مفردات وشروط التعايش وحسن الجوار، أو الاستعداد الجاد لمواجهته بكل ما للعرب من مقدرات ووسائل مشروعة وغير مشروعة، وكما لم يُسمح لإيران بإلحاق اليمن بفضائها الحيوي المتمدد في الشام، فبوسع العرب تحويل ثقل المواجهة الصريحة والمعلنة، وبجميع الوسائل، نحو ساحات سوريا والعراق ولبنان، وفي الحد الأدنى امتناع العرب عن المشاركة في الحرب الشاملة التي يتم التحضير لها على ما يسمى بـ“داعش” بشراكة أمريكية إيرانية، لن تكون غايتها محاربة الإرهاب، بل تطهير هلال الشام من عربه السنة.
هوامش:
* إنه تحول دراماتيكي في الإستراتجية الأمريكية، التي لن تتوقف ترتيباتها الجديدة عند إعادة تأهيل إيران لقيادة الإقليم بالوكالة، أو تعويض الكيان الصهيوني بإطلاق يده في استكمال مشروع الاستيطان وتهويد القدس، بل تضمر شرا يتهدد بقية دول المشرق العربي، وفي مقدمتها السعودية المتهمة بحضانة التطرف الوهابي: الأب الشرعي لـ“داعش” ومن قبل لـ“القاعدة” في أدبيات دور الدراسات الأمريكية.