“يقولو لها القابلة يا خلعة الخلعات”
بعد حصيلة ثقيلة، تتمثل في وفاة 600 امرأة سنويا أثناء الولادة، و5000مولود يفتح عينيه على الدنيا بعاهات وإعاقات بسبب ظروف الولادة السيئة، تقرّر تكوين”القابلات لمدة ثلاث سنوات لمرافقة أمهات المستقبل وتوجيههن بما يجنّبهن القلق والضغط قبل الولادة”، كم أنت رحيمة بالنساء الحوامل ومواليدهن يا وزارة الصحة؟ وكم أنتن محظوظات يا أمهات المستقبل بهذا القرار الذي سيجنبكن التعرض ل”لتعذيب”النفسي والجسدي في أقسام ومستشفيات الولادة التابعة للقطاع العام.
الآن فقط، انتبهت وزارة الصحة إلى ضرورة تكوين القابلات للتقليل من عدد الوفيات بين النساء، وبالتالي تقليص المساحة المخصصة ل”للقبور”واستغلالها في دفن موتى خارج القطاع، ومعاقين”سيكلفون خزينة الدولة مبالغ كبيرة تدفع في شكل منح شهرية، وقبل هذا القرار”العوض على الله”فيمن فارقت الحياة وهي تلد، أو من ابتليت بطفل “فلعصوه”أثناء الولادة .
إذا افترضنا “حسن النية” في هذا القرار المتأخر الذي يخص بعض مستشفيات الولادةعلى مستوى العاصمة ووهران، وليس كل المستشفيات المنتشرة في الولايات الأخرى التي ليست معنية بهذه العملية، هل حقا تستطيع وزارة الصحة أن تنتزع “الغل” من قلوب الكثير من القابلات “المسمامات”، اللواتي يمارسن أقصى درجات السادية في حق الحوامل اللواتي استأمنهن على حياتهن وحياة مواليدهن، ولعل ما يؤكد هذا الأمر، متابعة نحو 5 آلاف قابلة قضائيا من أصل 10 آلاف قابلة في الجزائر.
قصص في غاية الرعب، وظروف صحية في منتهى القسوة، وكأننا في حالة حرب، تلك التي ترويها العائدات من “جان دارك”التي أنشأت بسكيكدة، المدرسة الذي كان يمارس فيها الإستعمار الفرنسي أقسى أنواع التعذيب في حق الجزائريين لاستنطاقهم وحملهم على الإعتراف، مع فارق بسيط، يتمثل في إجبار النساء على عدم التفكير في العودة إلى المستشفى”الباطوار”.
ولإثبات هذا الكلام، اقتطعنا بعض التصريحات من بعض الصحف، وسمعناها من حوامل مروا بهذه التجربة المريرة، حيث تقول حكيمة:”بعدما ظهرت القابلة المفقودة وقررت أنه موعد الولادة، بدأ جحيم السيدة التي اضطرت للبقاء واقفة وهي تشاهد النساء اللواتي يصرخن وهن في حالة يرثى لها، إما دون عناية وهذا يزيد من ألمهن فيصرخن مرتين، مرة لألم المخاض ومرة للألم النفسي بسبب الإهمال واللامبالاة من طرف القابلة، حيث قالت محدثتنا أنها طوال الليل كانت صبورة، لكنها عندما بلغت وقت الولادة صرخت بشدة ولم تجد القابلة أمامها، ثم عاودت صرخة مدوية، وعندها جاءت إحداهن صفعتها بشدة، حيث أغمي عليها، وتقو إنها لا تدري ما حدث، وبعدها أفاقت في غرفة العمليات ورائحة قوية في أنفها تؤثر في وتدفع بها إلى الإنهيار”.
أما رحمة، “فوضعت مولودها في دورة المياه التابعة للمؤسسة الإستشفائية بعد رفض مصلحة التوليد استقبالها بحجة عدم توفر أسرة شاغرة بالقسم، وأن موعد الولادة لا يزال مبكرا، ولا يزال لديها متسعا من الوقت، وأثناء خروج السيدة رحمة من قسم الولادة، توجهت إلى دورة المياه نظرا للأوجاع و الآلام الكبيرة التي لم تحتملها وهكذا وضعت مولودها هناك دون أية عناية من طرف المختصين في المجال”.
أما إحدى الحوامل، فقد اضطرت إلى “إهداء” القابلة خاتما من ذهب حتى”تساعفها”وتساعدها، على الولادة دون أن تهينها أو تمد يدها عليها.
فيما اضطرت العديد من الحوامل اللواتي كن يتواجدن في غرفة واحدة في مستشفى الأم والطفل بولاية في الشرق الجزائري، إلى التزام الصمت خوفا من عاملة النظافة التي هددتهن بعدم ترك أسرتهن لأي سبب حتى لايقمن بتلويث الأرضية، وهوما دفع إحدى النساء إلى التعبير عن خوفها من العاملة بالبكاء الشديد، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى التلفظ بكلام بذئي وإهانة الحوامل إهانة بالغة، وتركهن دون مراقبة الأمر الذي يؤدي إلى وفاة البعض منهن بسبب مضاعفات الولادة.
ليست هذه النماذج إلا صورة مصغرة عن مستشفيات الولادة في الجزائر التي أصبحت مرادفا للإهانات والتعذيب الذي تمارسه قابلات لايخفن الله في الحوامل، وغالبا ما يبررن قسوتهن بضغط العمل، ومشقة مهمة التوليد، مع أن معظهن يقضين وقتهن في التسكع في أروقة المستشفى وتجادب أطراف الحديث في غرف مغلقة على صوت طقطقة اللبان، بينما صراخ الحوامل يملأ المكان، وحتى وإن تعرضت القابلة لضغط العمل، أليس الذي بين جوانحها قلب امرأة، أم تراها استبدلته بحجر صوان؟.
وإذا كانت هذه القابلة تتحمل جزء كبير من مسؤولية تعرض الحامل للخطر والشعور بالألم النفسي، فإن نزيلات المستشفى يتحملن الجزء الأكبر، وهو عدم التلبيغ عن مثل هذه التجاوزات. غير مدركات أن المستشفى أنشئ لاستقبال الشعب، وأن هذه القابلة إنما تتقاضى أجرها بفضل هؤلاء الوافدات عليه، فلولاهن لكانت”تضرب النشّاف”في بيتها، غير أن هذا”الهجوم”على بعض المشرفات على الولادة، لايدعنا ننهي كلامنا دون أن نوجه تحية تقدير واحترام لكل قابلة راعت ضميرها واتقت الله في الحوامل، ولم تبث الرعب و”الخلعة”في قلوبهن.