الرأي

ينَّاير.. رسالة حضارية أم عطلة مدفوعة الأجر؟

محمد سليم قلالة
  • 3181
  • 13

النوايا الصادقة ستفرح بإعلان يناير عيدا وطنيا.. أمهاتنا وآباؤنا الذين لم يكونوا ينتظرون هذا الإعلان للاحتفال بعيدهم منذ قرون، سيُسعدهم مثل هذا القرار الذي نَقَلَ واقعا من الحالة الشعبية إلى الحالة الرسمية.

لن يكون بالنسبة إليهم ذلك سوى إعادة للأمور إلى نصابها لتستمر بلادنا في الطريق الصحيح نحو استعادة مقومات شخصيتها الوطنية، ولتتفرغ لبناء أركان دولة قوية تستطيع الصمود في وجه التهديدات والمخاطر الكبيرة التي تواجهها من كل جانب، اليوم وغدا.. النوايا الصادقة سترى في مثل هذا الإعلان خطوة أخرى لاستباق كل محاولات جرِّها نحو سبل أخرى غير معروفة النهايات، قد تؤدي بها إلى نشر العداوة والكراهية بين أبنائها الذين اختلطت دماء آبائهم وأجدادهم بالأمس القريب في معركة التضحية من أجل استعادة السيادة الوطنية وبناء الدولة الجزائرية كما حلم بها الشهداء.

أما النوايا السيئة، فإنها إما ستشكك في مثل هذا الإعلان، أو ستحاول التقليل من قيمته، أو ستنطلق منه لطرح مزيدٍ من التصورات التي تُفرِّق ولا تجمع في نطاق سعيها للتمييز بين الجزائريين، إن لم يكن على أساس اللغة والثقافة، فعلى أساس العرق والجهة واللون، أو على أساس نفي تام لمقومات الشعب الجزائري الأخرى التي صهرتها قرونٌ من التعايش والتآخي في نطاق حضارة الإسلام التي لم يكتف الجزائريون بترسيخها في ديارهم بل نقلوها مغربا إلى غاية الأندلس، ومشرقا إلى غاية القاهرة ودمشق والقدس الشريف وبغداد، وشمالا إلى غاية صقلية والبندقية، وجنوبا إلى غاية كل بلدان الساحل الإفريقي ومنها إلى بقية إفريقيا.

إننا اليوم في مرحلة مفصلية من تاريخنا الوطني، قليلون هم الذين مازالوا فيها يتنكرون للجذور الأمازيغية لهذا الشعب، وقليلون هم الذين مازالوا يريدون تغيير اتجاه مساره الحضاري وتمسكه بدينه الحنيف، أما الغالبية الساحقة مِنَّا فهي مُدرِكة تمام الإدراك أنها لن تستطيع أن تكون لها مكانة بين الأمم في المستقبل إلا من خلال الوحدة، ولن تستعيد مقومات القوة لديها إلا من خلال الوحدة في نطاق الخط العام للمسار الحضاري للشعب الجزائري.

وإذا ما كانت وحدتنا اليوم ستقتصر على الإقليم الوطني في نطاق هذا الخط، فوحدتنا غدا ينبغي أن تشمل كل الشمال الإفريقي إن لم يكن تطلعنا أكبر من ذلك مشرقا ومغربا، شمالا وجنوبا، إذا كنا بالفعل نؤمن بأننا كنّا أسيادا بهذه المناطق وأن أجدادنا صنعوا بها حضارة.

إن يناير بلا إطار حضاري، بلا رسالة حضارية، بلا دور حضاري، بلا سهم اتجاه، إن مشرقا ومغربا، شمالا وجنوبا، سيبقى مجرد يوم عطلة مدفوعة الأجر، أما إذا تمكنا من وضعه ضمن سياقه الصحيح، ضمن وجهته الحضارية الصحيحة، كيف كان منذ مئات السنين قبل الميلاد وكيف ينبغي أن يُصبِح اليوم وغدا، فإننا بلا شك سنُمكِّنه ليس فقط من حمل رسالة الماضي بل حمل رسالة الحاضر والمستقبل معا.. وذاك هو الأمل. 

مقالات ذات صلة