الرأي

يهلك الوعول.. وتظهر التّحوت!

سلطان بركاني
  • 1029
  • 0

كلّ من يتابع الأحداث التي تموج بها قارات العالم، يعاين كيف أمسى عالمنا الذي نعيش فيه أشبه ما يكون بغابة يأكل فيها القويّ الضّعيف، ويسوم الكبراء فيها المستضعفين سوء العذاب؛ عالم يموج بالفتن ويميد بالظّلم والفساد ويزكم الأنوف بالانحلال والانحطاط، إلا ما رحم الله.. عالم أصبح فيه الشذوذ والانحلال حرية يُفرض احترامها، ويدافِع عنها قادةٌ وساسة وإعلام، حتّى بدأ الغرب في السنوات الأخيرة يعرف ظاهرة آخذة في الانتشار هي مقارعة الفاحشة في الشّوارع والأماكن العامّة ووسائل المواصلات، وهذا مصداق ما أخبر عنه الحبيب المصطفى–صـلى الله عليه وسلم- حينما قال: “لا تقوم الساعة حتى يتسافد الناس في الطرق تسافد الحمير”.
عالم علا فيه الأسافل والأراذل وطغوا وبغوا، وارتفعت أصواتهم عاليا، وجاهروا بظلمهم وحيفهم وفسادهم، وتحدّوا الأخيار بل وتحدّوا خالق الأكوان العزيز الجبّار سبحانه، حتى أمسينا نرى بكلّ جلاء مصداق حديث النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “والذي نفس محمد بيده، لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش، والبخل، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، ويهلك الوعول، وتظهر التحوت”. قالوا: يا رسول الله ، وما الوعول والتحوت؟ قال: الوعول: وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يعلم بهم”، وحديثه الآخر: “لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يَكونَ أسعدَ النَّاسِ بالدُّنيا لُكَعُ ابنُ لُكَعٍ” (الترمذي). أي لا تقوم السّاعة حتّى يكون أكثر الناس مالا وجاها، وأرفعهم منصبا وأعلاهم صوتا، وأنفذهم حكما، هم الأراذل والسّفلة.. بينما يقهر الأخيار وتتداعى عليهم قوى الشرّ حتّى يصبحوا كالقصعة بين الأكلة؛ يُخذلون ويحاصرون وتكال لهم كلّ التّهم ويدفعون عن الأبواب، وينكّل بهم ويضيّق عليهم، وربّما يعيش الواحد منهم لا يشبع من كسرة السّميد.
في الأيام القليلة الماضية تابعنا نتائج الانتخابات الأمريكية، ورأينا كيف عاد ذلك الرجل الأهوج إلى سدّة الحكم في بلد يصنف أقوى بلد في العالم، رجل ليست لديه أيّ مؤهلات علمية أو سياسية، يعلو إلى أرقى منصب في العالم لا لشيء إلا لأنّه صاحب مال وفير ولأنّه الأكثر ولاءً للصّهاينة ودفاعا عنهم، والأكثر قدرة على جرّ المطبّعين إلى بيت الطّاعة الصّهيونيّ، والأقدر على جباية أموال بعض المسلمين المخلدين إلى الدنيا مع كلّ أسف.
ومع هذه الأخبار ظهرت للعلن فضيحة مدوية تدلّ على أنّ علية القوم الذين يحاربون الإسلام ويسعدون بالدّنيا ويتمتّعون بها هم في حقيقة الأمر من أرذل خلق الله، فضيحة الكذبة الصّلعاء التي أشاعها مكتب رئيس الوزراء الصهيونيّ نتياهو، ومفادها أنّ الشهيد يحيى السنوار قائد حركة المقاومة الإسلاميّة في غزّة كان قبل موته يخطّط للفرار من غزّة! كذبة أظهرت تحقيقات قام بها وزير الدّفاع الصهيونيّ نفسه كذبها، ولذلك تمّت إقالته. وهي الكذبة التي تضاف إلى كذبات نتنياهو وتُزاد إلى سجلّه الأسود في أخذ الرّشاوى والاحتيال وخيانة الأمانة.
في مقابل هذا وذاك سمعنا وتابعنا ذلك الخبر المحزن الذي تتقطّع له القلوب الحيّة حسرة، من أرض العزّة والإباء والشّموخ غزّة، حيث الرجال الذين كان يفترض أن تَعرف لهم الأمّة قدرهم، وتقدّر لهم الدّور الذي يؤدّونه نيابة عن الأمّة، الدفاعَ عن أرضها المقدّسة والذّود عمّا تبقّى من كرامتها. رجال يفترض أن تجوع الأمّة ليشبعوا وتتخلّى عن الكماليات ليتسلّحوا.. لكن مع كلّ أسف، لا يعرف هذا الواجب إلا قلّة من المسلمين.
خبر نتائج التحاليل التي أجراها الكيان الصهيونيّ المحتلّ على الجثمان الطّاهر، جثمان الشّهيد السعيد يحيي السّنوار تقبّله الله. حيث أظهرت أنّ الرّجل الذي صفّقت له قلوب المسلمين قبل أيديهم، الرّجل الذي دوّخ الصّهاينة وأربك خططهم ونغّص أحلامهم، لم يأكل شيئا خلال الأيام الثلاثة التي سبقت استشهاده! أي إنّه -رحمه الله- استشهد خاوي البطن خائر القُوى.. وليس السّنوار وحده من لقي الله خاوي البطن، فهناك المئات من أخيار المجاهدين المرابطين في قطاع غزّة ماتوا على الحال التي مات عليها السّنوار، وكان من آخرهم الداعية المجاهد والمقاتل الصّامد والخطيب المفوّه محمد ناصر مصطفى، الذي ارتقى شهيدا جائعا عطشا محاصرا في معسكر جباليا، مساء الخميس الماضي، تقبّله الله.
هؤلاء خيار هذه الأمّة، لا بل خيار هذه الأرض، يحاصَرون ويجوّعون ويخانون ويخذلون، لأنّهم أبوا إلا أن يكونوا رجالا في زمن تحارب فيه الرجولة، وأسودا في أيام تعلو فيها خفخفة الضّباع.. رجال ما رفعوا السلاح لدنيا يصيبونها أو ألقاب ينالونها أو مسؤوليات يتقلّدونها أو أرصدة ينفخونها أو بطون يملؤونها، إنّما رفعوه لإعلاء كلمة الله، ولطرد العدو الصهيونيّ الذي يحتلّ أرضهم ويحارب دينهم.. ومع ذلك تخذلهم أمّتهم إلا قليل منها، ويتداعى العالم الأفّاك ليستأصل شأفتهم!
ما يملأ القلوب حزنا وأسى لحال أمّة الملياري مسلم أنّ السّنوار استشهد في جنوب غرب غزّة، على بعد 1500 متر عن الحدود مع مصر.. لم يكن يفصله عن إخوانه المسلمين سوى أمتار معدودة، تطوى في دقائق معدودة، ومع ذلك ظلّ يكابد الجوع 72 ساعة متواصلة.. ولكنّ عزاءنا أنّ الحال هي كما قال الإمام الشافعيّ، رحمه الله:
تَموتُ الأُسدُ في الغاباتِ جوعاً * وَلَحمُ الضَأنِ تَأكُلُهُ الكِلابُ
وَعَبدٌ قَد يَنامُ عَلى حَريرٍ * وَذو نَسَبٍ مَفارِشُهُ التُرابُ.
سيبقى الجوع الذي مات به السّنوار غصّة خانقة في حلق كلّ مسلم، ودمعة حرّاء في جفن كلّ حرّ، ودرسا لكلّ من ألهته الدّنيا عن دينه وأمّته، وشغلته نفسه عن قضية فلسطين، وعبرة لكلّ من يتخوّض في مال بغير حقّ وينفق الملايين في الكماليات وألوان المطاعم وسهرات الأعراس، في وقت يموت فيه أحرار أمّته خاويي البطون خائري القوى!
جوع السّنوار سيظلّ لعنة تلاحق أولئك المصرّين على إقامة مواسم الغناء والرّقص والضّحك في وقت يموت فيه أحرار الأمّة وأبطالها ونساؤها وأطفالها جوعا.. أحد هذه المواسم الغنائية في بلد مسلم واحد قدّرت مداخيله السنوية بـ2.7 مليار دولار، خرجت من جيوب المسلمين.. هذا البلد ذاته تشير الإحصاءات إلى أنّه يحتل المرتبة الأولى عالميا في التبذير بأكثر من 13 مليار دولار سنويا، وبنحو 250 كيلوغرام للفرد الواحد سنويا.
الوقائع والأحداث التي تدلّ على انقلاب الموازين في عالمنا هذا أكثر من أن يحيط بها مقال، لكن مع ذلك فإنّه لا يجوز لنا التخلّي عن واجبنا في نصرة الحقّ ومواجهة الباطل.. لا يحلّ لنا أبدا أن نستسلم للواقع، بل يجب علينا أن نزاحم الباطل في كلّ ميادينه، ونقدّم أقصى ما نستطيع لنصرة من يؤدّون واجب المواجهة.. إذا كان الأسافل قد علوا في هذا العالم، والأخيار قد حوصروا وخذلوا، فيجب علينا أن نقدّم كلّ ما يمكننا تقديمه للدّفاع عن أخيار الأمّة ومجاهديها ومرابطيها ومصلحيها وعلمائها ودعاتها، ونبذل في المقابل كلّ ما يمكننا بذله لكشف حقيقة الأسافل الذين رفعهم الإعلام ورفعتهم الأموال وأعلى من شأنهم شهود الزّور.. يجب علينا أن نزاحم الباطل في الواقع والمواقع، ولا نيأس أبدا ونحن نرى أنّ صوت الباطل هو الأعلى، فسوف يأتي -بإذن الله- اليوم الذي تعدّل فيه الموازين ويعود الحقّ إلى أصحابه.. نحن ولله الحمد نعيش في بلد يدعم المجاهدين والمرابطين في فلسطين، وهذه والله نعمة عظيمة نحمد الله عليها، حرمها كثير من المسلمين مع كلّ أسف، فينبغي لنا أن نستغلّ هذه النعمة في أن نكون في صفّ الحقّ بألسنتنا وأقلامنا وأموالنا.

مقالات ذات صلة