يومُ الشَّهيدِ الجزائري
خصصت الجزائر بلد المليون ونصف المليون شهيد، وإن كان الاستعمار الفرنسي الحقود يقلل من هذا العدد، وينزله إلى خمسه بخسا وتحقيرا وتنكرا، خصصت تاريخ الثامن عشر من شهر فيفري من كل سنة يوما وطنيا للشهيد الجزائري، وتم الاحتفال به لأول مرة في سنة 1989م. وهو يوم يحمل في طياته كل معاني العرفان والوفاء والاعتراف لتضحيات الآباء والأجداد.
يومُ الشّهيدِ الّذي نُحييهِ في مثلِ هذا اليومِ من كل سنة في جزائر الحرية والاستقلال هو يوم راسخ في الذاكرة الجماعية، ومنقوش في مطاويها، ولا يمكن أن نحجم عن إحياء ذكراه المجيدة.
هو يوم يعيش ماضيه في حاضرنا، وعليه وعلى نظرائه من الأيام الخالدة نتّكئ لرسم معالم مستقبلنا المطل علينا من وراء الغيوم العكرة التي تتربص بنا غدرا وتحطيما وتشتيتا.
هو يوم زاخر الدِّلالة وموفور المعاني، وهو يوم يتسع صدره للتذكر والاعتبار. وتتدافع في ليله الذكريات التي تشبه الأحلام، ويجري في ضحاه الاسترجاع وفي أصيله التدبر. وهو محطة لجني الدروس العظام وقطف العبر التي لا تقع تحت أي حصر.
هو يوم نحس فيه برَسْو كياننا ووجودنا بعيدا في أعمـاق هذا الثرى المضمخ بدم شهدائنا في كرم وسخاء، ونزهو فيه مرفوعي الرؤوس ناظرين إلى عنان السماء التي عرجت إليها أرواحهم الطاهرة.
ففي مثل هذا اليوم الأغر من كل سنة، نتذكر قوافل شهدائنا الميامين الذين دقوا باب الحرية الحمراء بأيديهم المضرجة بدمائهم الزكية، بعد أن ساروا في طريق المجد، وعقدوا عزمهم الموطد على أن تحيا الجزائر حرة أبية إلى الأبد. ونسترجع فيه خيالات صوّر وجوههم التي تتلألأ وضاءة ونورا. ونتعلم ونلقن فيه أبناءنا دروس التضحية والفداء، والصبر على المكاره، والشد على الجمرات الحارقة في الأيام الصعاب، وخوض عُباب البحار الهائجة للوصول بسفينة الوطن المفدى إلى مرفأ الآمان رغما عن طول ساعات الليل الحالك ووعورة المسلك الشائك.
لقد قوّض شهداؤنا شبابُهم وكهولُهم وشيوخُهم، رجالُهم ونساؤُهم مثبطات العزم الصادق في أنفسهم، وانتصروا على مغريات وشهوات الحياة. فلم يعد يقطن اليأس في جوارحهم، أو يكبل الخوف إراداتهم ، أو يُقعد التوجس حركاتهم، أو يثني التردد إقدامهم. واستطاعوا أن يجعلوا من زادهم القليل منطلقا لفكرتهم وعقيدتهم. وانطلقوا كالسهام من أيدي الرماة يتنافسون في بلوغ هدفهم وحبال المشانق آخذة برقابهم، ورصاصات الغدر والاغتيال تخترق أجسادهم. وسطروا لنا أروع دروس الشجاعة الذي مُؤَدّاه أن سلاح الإرادة هو أمضى الأسلحة، حتى وإن كانت الصدور عارية والأيدي خاوية لدك حصون الغزاة البغاة.
إن إرث شهدائنا هو وديعة ثمينة بين أيدينا جميعا، ولكن مخزونه الثقيل يجعل الإعياء يلاحق اليد الواحدة متى ما زعمت الائتمان عليه وحدَها. ولذا لا يجوز أن يجري على تبليغه الإرجاء، أو ينال منه الإبطاء، أو يشمله التغافل، أو يسحقه الخلاف، أو يترك في مهب رياح الأماني والتمنيات التي قد تأتي وقد لا تأتي.
في رحم ميراث شهدائنا الكرام مخزون لا ينضب من الطاقة الخلاقة، والحركية الجسورة، والضياء المشرق، والشعاع الساطع، والنشاط الدؤوب، ونكران الذات السافر. وفيه فيض من المسؤولية التي لا تَحُول ولا تزول ولا يُبرّأ من حملها أحد. ولا يقوى على بسط أكتافهم لحملها إلا أولو العزم من الرجال والنساء من أبناء هذا الوطن.
هلمّوا، أيها الجزائريون جميعا في وطن الشهداء، وحيثما كنتم، في شرقه وغربه، وفي شماله وجنوبه. وفي سواحله وهضابه وجباله وفيافيه. وفي مدنه وقراه ومشاتيه ومداشره، هلمّوا لنضع اليد في اليد بعد التوكل على الله، ثم نتوجه لإكمال ما بقي من مشوار السير صونا لأمانة الشهداء حتى لا يخيب ظنهم فينا.
وعندما يحتفل الجزائريون بيوم الشهيد الجزائري، فلا يجوز لهم أن تنسيهم غمرة الفرح شهداء أمتهم المجيدة، شهداء فلسطين السليبة، أو قل فلسطين الشهداء كما صدحت الحناجر يوم أن حط فريق كرة القدم الفلسطيني للآمال في ارض الجزائر منذ سنوات، وشهداء مصر العزيزة وشهداء سوريا التي طال لهيب فتنتها وشهداء العراق الذي لم يشف من أوجاعه وشهداء اليمن الذي لم يعد سعيدا.
وأعلموا أن من يحمل أمانة الشهداء الكرام أمانة عزيزة في قلبه لا أحد يستطيع أن يعترض سبيله، أو ينال من إصراره، أو أن يصرفه عن بلوغ مواقع أهدافه.
رحم الله شهداء أمتنا الأبرار.