يوم في “أمّ القُرى”
لكل وطن أم قُراه، ولكل ناحية أمّ قُرَاها، وقد وُصفت مكة المكرمة في القرآن الكريم بـ”أم القرى”. وأم القرى المعنية في هذه الكلمة هي بلدة “تازمالت” الواقعة بين بلدتين طيبتين هما مشدالة (ولاية البويرة) وآقبو (ولاية بجاية).
إن الذي سمّى بلدة تازمالت “أم القرى” هو الإمام عبد الحميد بن باديس، الذي زار منطقة وادي الساحل بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. كما سمى بلدة “قلعة بني عباس” القريبة من تازمالت “قلعة السُنّة“.
لم يطلق الإمام ابن باديس اسم “أم القرى” على تازمالت لاتساع مساحتها، أو لاستبحار عُمرانها، أو لفخامة بنيانها، أو لكثرة سكانها؛ ولكنه فعل ذلك لما أحسّ في أكثر أهلها من إيمان متين تحطمت عليه حملات التنصير التي جيّشتها فرنسا الصليبية وسيّرتها خلال المنطقة، خاصة في عهد الصليبيين لافيجري ودوڤيدون، ولما رأى فيهم من إقبال شديد على تبني مبادئ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ولما شاهد فيهم من حماس في نشر تلك المبادئ الجليلة في قرى المنطقة، خاصة أن تلك المبادئ لم تجد في منطقة زواوة كبير معارضة من رجال زواياها، لأن تلك الزوايا “هي معاهد لنشر الدين والقرآن العظيم، بعيدة كل البعد عما اشتهرت به الزوايا الأخرى من الزهد في العلم، ومحاربة أهله، والاحتفاء بكل بدعة (1)”.
إن هذا اليوم الذي قضيناه في “أم القرى” هو يوم السبت 25 / 2 / 2012، حيث توجه وفد إليها تلبية لدعوة كريمة من إخوة كرام هم أعضاء شعبة جمعية العلماء. وقد كان الوفد مكونا من الدكتور عبد الرزاق ڤسوم، رئيس جمعية العلماء، والأستاذين الزبير طوالبي والتهامي مجوري، وهما على التوالي أمين التنظيم في الجمعية وأمين المال، وكاتب هذه السطور، وقد توقف الوفد في قرية “الشرفة” فزار مقبرتها، حيث ترحم على روح الشيخ عبد الرحمن شيبان، رئيس الجمعية السابق، وعلى أرواح المسلمين جميعا.
استقبل الوفد بحفاوة كبيرة في مقر الشعبة من قبل أعضائها يتقدمهم رئيسها وأكبر أعضائها الشيخ الممتلئ حيوية سليمان ڤوڤام (ولد في 1919) وقد شهد له الجميع بالفضل، ويحظى بتقدير كبير، وقد اقترحت تسميته “عميد المعلمين“، متّعه الله بالصحة والعافية، وسط تلاميذه ومحبيه.
بعد استراحة قصيرة وسط فيض غامر من مشاعر الأخوة توجه الوفد نحو المسجد الذي أسسته جمعية العلماء على التقوى، وسمته “مسجد أم القرى“، كما هو مُسجّل في لوحة، وقد دشّنه الشيخ العربي التبسي وأعضاء من قيادة الجمعية يوم 20 / 4 / 1954.. وقد حضرت التدشين وفود من الغزوات غربا إلى عنابة شرقا، فكان ذلك اليوم عيدا (2) أغاظ الله به الكفار. وقد ألقى الشيخ أحمد سحنون قصيدة رائعة مما جاء فيها:
فمسجدك الحر خير الأداة
لفك القيود عن الأعبُد
لقد صنع المسجد المعجزات
بإنهاض مجتمع مُقعد
وأخرج جيش الغُزاة الهُداة
إلى الله من كل مُستأسِد
هنا “الله أكبر” يُحي الفؤاد
صداها ولو قُدّ من جُلمُدِ
هنا النصر للمسلم المهتدي
على كل مستعمر مُعتدِ (3)
ومن المسجد توجه الوفد إلى “مدرسة التربية والتعليم“، التي أسستها جمعية العلماء، ونأسف أن المدرسة غُيّر اسمها إلى مدرسة “بوجمعة عيشيو”، ولا يدل هذا التغيير إلا على أحد أمرين: إما الجهل بأصل هذا الإسم “التربية والتعليم” وصاحبه “الإمام ابن باديس”، وفلسفته، ومقاصده، ومنجزاته؛ وإما “الحقد” على الإسم وصاحبه وفلسفته.. ومنجزاته..
وقد كان مؤسسو المدرسة متشبعين بروح التحدي، فاختاروا موقعها ملاصقا للمدرسة الفرنسية، ليوحوا للفرنسيين أن هذه الأرض ستبقى عربية اللسان، مسلمة العقيدة، موحدة الكيان، وقد أخبرنا كبار الإخوة بأن التاريخ لم يسجل خائنا واحدا ممن مرّوا على تلك المدرسة؛ بل كان منها مجاهدون وشهداء وفي مقدمتهم مديرها عبد الملك فضلاء الذي اتخذه الله شهيدا في 12 / 7 / 1957.
وفي نهاية سنة 1955 أمرت السلطات الفرنسية بإغلاق المدرسة، وعندما علم أحد تلاميذها، وهو مسعود روباش، بأمر الغلق كتب على سبورة هذه الجملة: “سنعود إليك في يوم مشرق مزدهر، وإلى اللقاء”. وقد أبرّ الله ـ العلي الجبار ـ عبده فبقيت جملته إلى أن طهر المجاهدون هذه الأرض من الرجس، وعادت المدرسة سيرتها الأولى.
لقد تعاقب على إدارة مدرسة التربية والتعليم بـ”أم القرى” ثلاثة مديرين هم: الصادق عيسات، وعبد الملك فضلاء، وسليمان ڤوڤام؛ فأما سليمان ڤوڤام فمازال مرابطا في تازمالت، وقد استعصى عُودُه وفكره على “التسعين” فلم تُقعِده مع القاعدين، ولم “تُخرّفْه”، ولم “تُحوّج” سمعه إلى ترجمان كما حوّجت “الثمانون” الشاعر صاحب البيت الشهير عوف بن ملحم الشيباني:
إن الثمانين ـ وبلغتها ـ قد أحوجت سمعي إلى تُرجُمان
وأما عبد الملك فضلاء، فقد خرج من هذه الدنيا مكرّما بوسام الشهادة، وأما الصادق عيسات فقد بعثه الله في “أم القرى” فأحيا مواتها، وحرّك ساكنها، وأخرج شطأها، وقد وصفه الشيخ أحمد حماني بقوله: “أما الصادق عيسات فقد كان منذ تلمذتنا على الأستاذ الإمام ابن باديس من أبرز تلاميذه استقامة ونجابة وتحصيلا، ولما خرج إلى ميدان العمل كان من أكثر رجال الإصلاح توفيقا ونجاح مسعى ويُمنَ نقيبة.. وقد كان دائما الجندي المتأهب للعمل أينما يُوجّهُ يأتي بخير عميم، ولم يقتصر دبيب الحياة على تازمالت وحدها وإنما شاع في سائر وادي الساحل، وتجاوز ذلك إلى أطراف بلاد الزواوة.. وعلى عهد تحمله مسؤولية جمعية العلماء بتلك الديار ازدهرت قرى ومداشر وادي الساحل بالمدارس، ولو نقّبت جيدا لوجدت من عيسات أثرا وراء كل مدرسة أو حركة نبتت بوادي الساحل (4)”، وقد أخبرني الأستاذ الزبير طوالبي الذي عرف الشيخ عيسات بأن هذا الأخير من أفصح الناطقين باللسان الأمازيغي الزواوي.
وبعد العصر أقيمت ندوة في دار الشباب التي امتلأت بالناس، فتكلم السادة رئيس بلدية تازمالت، ورئيس شعبة الجمعية فيها، ورئيس شعبة الجمعية في بجاية، والشيخ الفاضل سليمان ڤوڤام الذين رحبوا بالوفد، وشكروه على تلبية الدعوة، ثم تحدث أعضاء الوفد فذكروا بجمعية العلماء، وأشاروا إلى آثارها الطيبة وأفضالها الكثيرة، حيث صححت عقيدة الجزائريين، وقوّمت ألسنتهم، وعرّفتهم تاريخهم، ومحت الجهوية والعنصرية من عقولهم، وألّفت بين قلوبهم.. وطُلب من كاتب هذه السطور أن يتناول موضوع “الإسلام والأمازيغ في شمال إفريقيا”، فتحدث بما فتح الله عليه، وأثبت أن الأمازيغ لم يعتنقوا الأسلام فقط؛ بل اتخذوا ـ طوعا ـ اللغة العربية لسانا، فجاهدوا دفاعا عن الإسلام، وخدموا اللغة العربية وأنتجوا بها الآداب والعلوم، وعلموها إلى العرب أنفسهم.. ولم يفرقوا بين العرب والإسلام، فكل عربي عندهم هو مسلم، وكل مسلم هو عربي.. وإن عداوة اللغة العربية والإسلام عند بعض الجزائريين في زواوة وفي غيرها من المناطق الجزائرية هو نتيجة “الميكروب” الخبيب الذي زرعته فرنسا ولم يتمكن إلا من ضعاف الشخصية الإمعيين، الذين اتخذتهم فرنسا سخريا، وتستعملهم لإرباك الجزائر، وإخبال أمرها، وإكساد اقتصادها، وإضعاف تعليمها..
أشكر إخواننا في تازمالت، وليعذرني من لم أذكر اسمه، وليضاعفوا نشاطهم، فقد اصطفاهم الله لخدمة دينه في تلك المنطقة التي قدمت ـ كما أُخبرنا ـ ألف شهيد، رحمهم الله، وأكرمهم بمقعد صدق…
*)لما سألنا إخواننا في المنطقة عن معنى “تازمالت” أجابوا بأنها الزيتونة التي تنتج الزيتون الغليظ، رغم أن المنطقة تنتج الزيتون الرقيق المسمى في لسانهم “أشملال”. ومنهم قال إن “تازمالت” هي من كلمة “الزمالة“.
1) جريدة البصائر. ع 121. في 8 / 7 / 1938. ص 5
2) محمد الحسن فضلاء: المسيرة الرائدة للتعليم العربي الحر بالجزائر. ج1. ص 246.
3) جريدة البصائر. ع 271 في 15 / 5 / 1954. ص 7.
4) جريدة البصائر. ع 206. في 3 / 11 / 1952. ص 3.