يوم هارب من جهنم!
“هذا حال أوت فكيف سيكون جويلية؟.. :”يوم هارب من جهنم”.. “شهر أوت يعوّض شهر ماي..”.. كلها تعاليق، أطلقها العديد من الجزائريين، نهار أمس الخميس، السادس والعشرين من شهر ماي الربيعي، قبل عشرة أيام من دخول شهر الصيام، عندما تجاوز مؤشر الحرارة الرقم أربعين وقرع الـ44 في ڤالمة الشمالية، إلى درجة هروب السياح من حماماتها المعدنية، في ظاهرة مناخية فريدة من نوعها في الجزائر في هذا الشهر.
وربما خففت التحذيرات المتكررة والنشرات الخاصة، التي تفضل بها ديوان الأرصاد الجوية من فاتورة ضحايا العاصفة الحارة، وغير المسبوقة التي عرفتها الجزائر، بما في ذلك مدنها الشمالية في اليومين الأخيرين، والتي ستتواصل إلى غاية غدا السبت، فقد أحصت خنشلة وقالمة بمياهها المعدنية، نهار أمس الخميس، أكثر من 30 حالة لضربات شمس، وأزمات قلبية طالت الشيوخ على وجه الخصوص، بينما أكد طبيب في استعجالات المستشفى الجامعي بقسنطينة، بأن مصلحة أمراض القلب لم يعد بمقدورها استقبال المرضى المزمنين، بعد أن انضم إليهم في اليومين الأخيرين العشرات من المرضى، الذين تأزمت أوضاعهم الصحية.
ولولا حركة نصف مليون ممتحن في شهادة التعليم المتوسط في يومها الثالث، وأوليائهم الذين رافقوهم في الشوارع، لتحوّلت المدن للأشباح في فترة العمل الممتدة من الثامنة صباحا إلى حدود المغرب، وأجمع كبار السن من مختلف الولايات الشمالية على أن الحالة المناخية الحالية التي عاشتها المنطقة يمكن وصفها بالتاريخية، والتي لم يسبق وأن عاشت الجزائر مثيلا لها، مع المطالبة بتغيير ساعات العمل، حتى لا تبقى متزامنة مع ذروة الحرارة، كما هو حادث في بلاد أوروبية لم تبلغ فيها درجة الحرارة ما بلغته عندنا، لتفادي ضربات الشمس القاتلة أو الهروب من أماكن العمل، خاصة عند تشغيل الأطفال والبنات والمعوقين تحت درجات حرارة ما فوق الأربعين.
فمثلا عناصر الحماية المدنية غالبية تدخلاتهم نارية، سواء في الصيف أو في الشتاء، وإذا كانت سيارات الإسعاف مكيفة جميعها الآن، فإن مصالح الحماية المدنية تشتغل بشكل عادي في أيام الحر الكبير، ولا توجد سوى عملية تنظيم إدارية، وهي العمل بالمناوبة في أيام الحر، لأجل إبعاد رجل الإسعاف عن ضغط العمل، بسبب طول يوم الحرارة الشديدة، ومن أجل محافظته على التركيز، أما عن لباس رجل الإطفاء، فهي واقية ضد الحرارة.. أما رجال الدرك الوطني الذين سيدخلون بعد شهر من الآن في تطبيق مخطط دلفين، بسبب الحواجز الكثيرة الموجودة في كل الطرقات الجزائرية، بما في ذلك التي تتوسط صحراء الجزائر الكبرى، حيث درجة الحرارة تناهز الخمسين تحت الظل في نهايات ماي الحالي، فما بالك تحت أشعة الشمس في وقت الظهيرة، فهم مجبرون على قمع عمليات الإجرام من تهريب وتحركات مشبوهة وتحركات بارونات المخدرات التي تنشط في زمن الحرارة الشديدة، ظنا من المجرمين بأن الأعين مغمضة، وهو ما يجعل نشاط رجال الدرك يبلغ ذروته خلال هذه الفترة، أي أنهم سيكونون عرضة للهيب الحر الذي لا يقاوم، كما أن اللباس الواقي للرصاص الذي يرتديه رجال الدرك الوطني، متميز بكونه ساخنن جدا، وهو يرفع من درجات حرارة من يرتديه شتاء، فما بالك في فصل الحر، ويبقى همّ مصالح الدرك هو تأمين تنقل الناس بعد غد الأحد تزامنا مع انطلاق امتحان شهادة البكالوريا، بشكل سلمي، خاصة بعد أن دخل الجزء الأكبر من الطريق السيار شرق – غرب الخدمة ..
ما علمناه أن رجال الدرك الوطني الذين نشاهدهم بكثرة في الطرقات خلال فصل الصيف، لا يتوفرون على تغطية صحية خاصة واستثنائية مثل المصحات المتنقلة، وإذا كانت مكاتبهم التي لا يعملون فيها إلا نادرا مكيّفة في معظمها، فإن خروجهم إلى الطرقات هو العمل تحت درجات حرارة مرتفعة جدا.. وإذا تعرض رجل الدرك لضربة شمس، فإنه ينقل إلى المصحات العمومية.
الخبازون أيضا عانوا، نهار أمس الخميس، على بعد عشرة أيام من شهر الصيام حيث تُمنع العطلة عنهم، لأن هذه الأيام هي ذروة العمل، للربح بالنسبة لهم، وأرباب الخبز لا يفرطون في العمل في رمضان، الذي يتزامن هذا العام بدايات شهر جوان، ويعتبر شهر الصيام هو موسم العمل الكبير بالنسبة لكل الخبازين، لأنهم يستفيدون من بيع الخبز المحسّن وخاصة الحلويات، وكلها أرباح مضمونة، وعمل الخبازين يشبّهونه بعمل المناجم الذي مازال يضع عماله في أخطار في الحرارة، عندنا يجد العامل نفسه مخنوقا داخل المنجم ومخنوقا خارجه.
ومازال الجزائريون يفضلون دفن موتاهم في الظهيرة، والسير في الجنائز وأيضا داخل المقابر الكبرى قد يستهلك ساعتين من الزمن، فيجد المعزون والمواسون وأهل الميت أنفسهم تحت حرارة لا تقاوم، في غياب الأشجار أو أي مكان تحت الظل، ولأن المشي في الجنائز بطيء جدا، وفيه التوقفات في زمن الدفن وقراءة الفاتحة، فإن المخاطر تزداد، وعمال المقابر يجدون صعوبة كبيرة في التعامل مع الجنائز خلال فصل الحرّ وجنائز الظهر وحتى العصر، وهو ما يجعل حفاري القبور ومرتلي القرآن وغيرهم من عمال المقابر يعيشون الويلات المناخية في فصل صيف صار يبدأ من أواخر ماي؟.
وإذا كان الفلاحون المتمرسون يتقنون التعاون بخبرتهم الكبيرة مع الأرض ومع الأرصاد الجوية مع الحرارة، فإن دخول الشباب وحتى الأطفال عالم الفلاحة والبحث عن الجني السريع للمحاصيل الزراعية المطلوبة بكثرة في فصل الحر،ّ مثل البطاطا والسلطة والفرولة والبطيخ والطماطم، يعرضهم لضربات الشمس، حيث وقعت كارثة في الطارف، عندما توفي صبي كان يجني رفقة والده الطماطم الموجهة للتصنيع، وحكاية سامي وهو راع في سن 12 ابن ولاية ميلة الذي هلكت ثلاثة من أغنامه وقاوم هو الموت بسبب الحرارة الشديدة، تؤكد أن الأطفال هم الأكثر عرضة لمخاطر الشمس في هذا الحر، سواء في الشمال أو في الجنوب، حيث ثورة الأرض تمنح مزيدا من المخاطر من عقارب وأفاعي سامة تطارد الناس، تماما كما تطاردهم الشمس الحارقة.
ومازالت الأسواق الشعبية في الجزائر محافظة على وجودها، ومازالت بذات الهيئة غير النظامية تفترش الأرض في الحراش وفي تاجنانت وفي الخروب وفي بوسعادة وفي مغنية، كما كانت منذ قرن من الزمن، ويزداد نشاطها مع فصل الصيف، خاصة في السنوات الأخيرة مع اكتساح السلع الصينية الرخيصة الثمن أسواق الجزائر، وهو ما جعل هذه الأسواق تنتعش مثلها مثل أسواق الشيفون، التي تقدم للفقراء ما لا يجدونه في المحلات الكبرى من أسعار، ومشكلة الأسواق أنها توجد في الخلاء في قطع أرضية لا شجر فيها ولا أحراش، وتتواصل إلى ما بعد الظهر وأنشط أوقاتها في الضحى.
وإذا كان البائع قد أخذ احتياطاته بسبب تواجده في مكان وسط الظلال، فإن الزبون مجبر على السير في أقوى نيران أشعة الشمس .. ولأن الصيف خطير على بعض المرضى المزمنين، فإن أصحاب الأوزان الثقيلة من الذين يحملون القناطير من اللحوم والشحوم في أجسامهم، يعانون في صمت، في غياب أي تكفل صحي بهم، ومعلوم أنه في أوروبا جمعيات تعني بالبدينين وتنصحهم، وتتكفل بهم في أماكن خاصة ومكيفة خلال أوقات الحر الكبيرة، وبالرغم من هذا الانقلاب المناخي الذي تجلى أمس الخميس، عندما بلغت درجة الحرارة في عنابة مثلا 42 مئوية، إلا أن المسؤولين مازالوا يأخذون تنظيم أوقات العمل مما يأتيهم من أوروبا أو ما ورثوه من الزمن الاستعماري.