الرأي

‬إرهاب هؤلاء وأولئك‮!‬

حفيظ دراجي
  • 12512
  • 0

‭ ‬بكل لغات العالم وفي‮ ‬كل المجتمعات‮ ‬يعتبر القتل والغدر والحرق والتدمير الهمجي‮ ‬إرهابًا وجريمة ضد الإنسانية تعاقب عليها كل الأديان السماوية،‮ ‬وتعاقب عليها كل القوانين الوضعية والأعراف والتقاليد،‮ ‬ولا‮ ‬يختلف اثنان في‮ ‬وصف كل أشكال الممارسات اللاإنسانية بـ”الإرهاب‮” ‬لأنه‮ ‬يرعب الناس ويتسبب في‮ ‬الألم والخراب،‮ ‬ويزيد من الاحتقان،‮ ‬ولكن هذا الإرهاب لا‮ ‬يختلف كثيرًا عن أشكال أخرى من الإرهاب الذي‮ ‬تعاني‮ ‬منه كثير من المجتمعات‮.‬

وعلى الرغم من أن إرهاب اليوم بالمفهوم التقليدي‮ ‬صار‮ ‬يختلف عن إرهاب التسعينيات الذي‮ ‬عانت منه الجزائر لأنه أخذ بعدًا دوليًّا واسعًا،‮ ‬وتنظيمًا مختلفًا،‮ ‬وممارسات متعددة،‮ ‬ووسائل أخطر وأكبر،‮ ‬إلا أنه لا‮ ‬يختلف تمامًا عن ذلك الإرهاب النفسي‮ ‬والفكري‮ ‬والمادي‮ ‬والسياسي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬الذي‮ ‬نمارسه فيما بيننا،‮ ‬وضد شعوبنا من خلال ممارساتنا اللاأخلاقية التي‮ ‬تفشت في‮ ‬كثير من الأوساط،‮ ‬ويسكت عنها الساسة والنخبة والشعب على حد سواء‮!    ‬

إرهاب وإجرام الجماعات المسلحة بمختلف تسمياتها وتنظيماتها لا‮ ‬يختلف عن إرهاب بعض الذين‮ ‬يتعاطون السياسة عندنا ممن‮ ‬يخيفون ويرعبون الشعب،‮ ‬ويخونون من‮ ‬يختلف معهم،‮ ‬ولا‮ ‬يختلف عن إرهاب‮ ‬يمارسه من‮ ‬يحتكرون السلطة والوطنية لأنفسهم،‮ ‬ويرفضون التحاور وإشراك‮ ‬غيرهم في‮ ‬التدبير والتسيير،‮ ‬ويمارسون الإقصاء ضد من‮ ‬يعارضهم‮! ‬

‭ ‬إرهاب المجرمين في‮ ‬الجزائر والعالم سواء كان باسم الدين أو أي‮ ‬فكر سياسي‮ ‬متطرف،‮ ‬أو حجج واهية،‮ ‬لا‮ ‬يختلف أيضًا عن إرهاب رجال المال الفاسد ومن‮ ‬يستغلون نفوذهم لنهب خيرات الوطن وتدمير اقتصاده،‮ ‬والتغطية على المفسدين مقابل التضييق على الكفاءات والشخصيات الوطنية التي‮ ‬تعاني‮ ‬كل أشكال الإقصاء والتهميش‮.‬

إرهاب من‮ ‬يريدون السلطة بالعنف والقوة دون العودة إلى سيادة الشعب،‮ ‬هو نفسه إرهاب من‮ ‬يريدون البقاء في‮ ‬السلطة إلى الأبد بالتحايل والكذب على الرغم من الفشل والخيبات المتكررة في‮ ‬تسيير شؤون الوطن ومختلف القطاعات،‮ ‬وهو نفسه الإرهاب الفكري‮ ‬الذي‮ ‬تتعرض له عقول شبابنا من خلال كل المغالطات التي‮ ‬نسمعها ونقرأها هنا وهناك‮!  ‬

إرهاب الطرقات الذي‮ ‬نعيشه‮ ‬يوميا ويقتل الآلاف كل سنة بسبب تهور السائقين،‮ ‬وعدم احترام قوانين المرور،‮ ‬وبسبب اهتراء الطرقات وتدهور حالتها،‮ ‬لا‮ ‬يختلف عن إرهاب من‮ ‬يقتلون الأبرياء ويرعبون النساء والأطفال في‮ ‬المدن والقرى والأرياف بمختلف الأسلحة والوسائل،‮ ‬لأن الضحايا في‮ ‬كلتا الحالتين هم بشر‮ ‬يدفعون ثمن التهور والجهل‮! ‬

‭ ‬الإرهاب الذي‮ ‬يعانيه المرضى في‮ ‬المستشفيات والمواطنون في‮ ‬مختلف الإدارات والطلبة في‮ ‬الجامعات والعمال في‮ ‬كثير من الشركات،‮ ‬و”الحڤرة‮” ‬التي‮ ‬يشعر بها كثير من أبنائنا لا تختلف تأثيراتها عن ممارسات الإرهابيين والمتطرفين والمجرمين،‮ ‬ومن‮ ‬يرعاهم ويساندهم ويغطي‮ ‬عليهم لأغراض سياسية أو فكرية أو مادية‮!  ‬

قد‮ ‬يعتقد بعضهم بأنني‮ ‬أبالغ‮ ‬في‮ ‬مقارنة هذا الإرهاب بذاك الذي‮ ‬اكتوينا به ولا نزال،‮ ‬ولكن هذا وذاك‮ ‬يؤديان إلى قتل النفس البشرية وتحطيم الحضارة الإنسانية،‮ ‬ويؤديان إلى التذمر والاحتقان ومزيد من الحقد والخوف والإجرام في‮ ‬وقت بلغت مجتمعات أخرى درجة كبيرة من التطور الفكري‮ ‬والأخلاقي‮ ‬والحضاري‮ ‬لأنها تعيش الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية،‮ ‬وتحارب كل أشكال الفساد والنهب والظلم والإقصاء‮.  ‬

مقالات ذات صلة