السياسة المسوّسة!
من الطبيعي أن تصبح الساحة السياسية خاوية على عروشها، وتصبح الأحزاب بلا معنى ولا هدف، طالما أن النضال تحوّل إلى مواجهات بـ”الدوبرمان” وتنابز بالألقاب ورشق بالبيض، وهذا اختراع جديد للطبقة السياسية في الجزائر، التي فشلت في إقناع الأغلبية المسحوقة بجدوى الانتخابات والمشاركة القوية فيها، فلجأت إلى صنّاع الفوضى والعنف والتعصّب، مواجهة جديدة لتحريض المواطنين على مقاطعة النشاط الحزبي!
من الأرندي والأفلان إلى حمس والأفانا، لم يعد الحزب سوى مشتلة للأحقاد وتصفية الحسابات وتغذية الحساسيات، ولكم أن تتصوّروا ما الذي يُمكن لحزب أن يقدمه، وقد استبدل لغة الحوار والرأي والرأي الآخر، بلغة البيض والحجارة و”الدبزة”، كبديل لفرض رأي لا تشاطره الأغلبية، وقد أصبح للأسف البقاء للأقوى وليس للأصلح!
فشل موسى تواتي في تنظيم مؤتمر الأفانا، بسبب تشميع القاعة بالسلاسل من طرف نواب يتمتعون بالحصانة، يؤكد إلى ما لا نهاية، بأن استعمال القوة أصبح مرادفا للنضال، وهو ما تقرؤه أيضا حركة التمرد والعصيان التي هزت أركان الأفلان، وكادت أن تعصف باجتماع لجنته المركزية، لولا قدرة قادر، بنفس الطريقة التي أنقذت الأرندي أيضا من الانزلاق!
أين الخلل؟ لماذا يحدث هذا الانجراف والانحراف داخل الأحزاب الفائزة والخاسرة في الانتخابات على حدّ سواء؟ هل المشكل في القاعدة النضالية أم في الهياكل القيادية؟، هل الحزب الذي فشل في جمع شمله يُمكنه أن يُقنع الناس ببرنامجه وأهدافه؟ وهل الصراع ناتج عن خلاف سياسي أم نتيجة مصالح شخصية؟
من الطبيعي أن يتعارك ويختلف الأشقاء الفرقاء داخل مختلف الأحزاب، لكن من غير المفهوم، أن يُحاول كلّ طرف تأميم الحزب وتحويله إلى رصيده الخاص، وهو ما أعطى الانطباع أن هذه الأحزاب المريضة تحوّلت إلى “حوانيت” أو إلى شركات “صارل”!
إن ما جرى للأفانا وقبلها للأفلان والأرندي وحمس، يرسم صورة سوداوية عن النشاط الحزبي، ومسؤولية هذه المهازل تتقاسمها بالقسطاس الطبقة السياسية مجتمعة سلطة ومعارضة، فالمتوفر من مشاهد، يؤكد أن هذه الصراعات الظاهرة ما هي إلاّ الشجرة التي تغطي الغابة، ولو تمّ فتح الملفات الحقيقية التي تفجّر قنابل عنقودية داخل الأحزاب، لوُضعت النقاط على الحروف بطريقة أسرع وأوضح!
من “الدوبرمان” والبيض والسلاسل إلى الحجارة والمتاريس والهراوات، تغرق الطبقة السياسية في مستنقع “اضرب واهرب”، ولم يعد بوسع بلخادم وأويحيى وسلطاني وتواتي وجاب الله، وغيرهم تبرير وتفسير رياح العنف و”الهفّ” التي تجتاح بيوت أحزابهم بطريقة مرعبة وغريبة، لا تختلف كثيرا عن التسونامي الذي ضرب هدوء جزيرة سوماترا!
لم تنفع عصا موسى لتأمين تواتي من أصدقائه القدماء، ولم ينفع لقب “الممثل الشخصي لرئيسي الجمهورية”، عبد العزيز بلخادم في ترغيب وترهيب حاشيته الأولى، كما لم ينفع منصب الوزير الأول، أحمد أويحيى في إسكات الأصوات الغاضبة ومنعها من التمرد والعصيان!
.. هي أرقام لمعادلة سياسية صعبة، قد تكون قراءة مفهومة لفن الممكن والكذب، لكن هي أيضا أحد الأسباب المباشرة لتكريه المواطنين في أيّ شيئ له علاقة بالسياسة المسوسة!