الشعب لا يريد التغيير
يُعرف في عالم كرة القدم أن المدرب لا يُغيّر الفريق الذي يحقق الانتصارات، وما قدمه النظام للجزائريين في الأيام الأخيرة من “مفاجآت”، يُؤكد أن النظام ليس مقتنعا فقط بأن الفريق الذي قاد البلاد منذ نصف قرن هو وحده من يحقق “الانتصارات المزعومة”، بل صار مقتنعا أنه وحده لا يرينا إلا ما يرى! وأنه يُحيي ويميت! بعد أن فكّر لمدة أربعة أشهر، واقتنع فيها أن الجزائر يمكنها أن تعيش بالفراغ، فقرر أن يُبقي على الفراغ إلى أجل غير مسمى.
فبقاء الطاقم الحكومي برجال صدقوا ما عاهدوا عليه من وضعوهم، يوحي أن السلطة في الجزائر مقتنعة أنها تسير في الطريق السليم، وأن الخطأ ربما في الشعب، وأن لا أحد “غلّطها” وأنها “فهمت” الشعب جيدا، وعلمت أنه لا يريد التغيير، بعد أن تمكنت من إقناعه بأن طلباته لا تخرج عن دائرة السكّر والزيت والسكن والكهرباء، وتعايشت معه، وتسلّت بقطعه للطرقات في وجه الشعب وبتهديداته الاستعراضية بالانتحار حرقا، وبطلباته الغريبة التي لم ترتق فوق الممهلات والماء، فعرفت أنها نجحت فعلا في نسف “الإنسان” من الكيان الجزائري، وعلمت أنها وحدها في البلاد، ولا يمكن ”للواحد الوحيد” أن يترك مكانه لثان هو في الأصل غير موجود.
في كل دول العالم، بما في ذلك تونس ومصر وليبيا التي شهدت انهيار أنظمتها “المتفرعنة”، سمعنا عن شخصيات إسلامية ويسارية وديمقراطية، رفضت الحقيبة الوزارية، بين معترف بعدم مقدرته على تحمّل المسؤولية، وبين من خشي أن يكون لعبة بين أيدي الحاكم، لكن الغريب في الوزراء الجزائريين الذين ورثوا أنفسهم أن لا أحد منهم رفض المهمة أو حتى تردّد، رغم أن الكثير منهم صارت لهم مآرب أخرى، ولا نظن أنهم مقتنعون بأنهم قدموا ما لا يستطيعه أحد، وستكون أبشع نكتة لو قيل إن الجزائر تقوم بإصلاحات كبرى أو حتى صغرى، لأنها أكدت الآن أنها لا تقوم بأي شيء يمكن أن نطلق عليه أي اسم من الأسماء المتحركة، وكما عاشت من دون برلمان ولا حكومة لبضعة أشهر، ستواصل لبضع سنوات في غياب إرادة للتحرر من ريع النفط الذي ترضع منه، ولا تريد أن تُعطي جديدا يحس فيه المواطن أنه بين عقول تفكر أو على الأقل تجتهد وتخيب، لأن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه.
ربما ما قام به النظام في تغيير اللا شيء بمثله هو عين الصواب، لأن الشعب وممثليه لم “يتورطوا” أبدا في المطالبة بالتغيير، بعد أن صار مطلب الطبيب والأستاذ والطيار والمهندس وعاملات النظافة زيادات مالية مستعجلة، سواء جاءت من عبد المالك أو من سلال، المهم أن لا يتغير الحاكم الأول للبلاد، وهو صاحب الجلالة “حاسي مسعود”، الذي ما زال البرنامج الوحيد للدولة، والحكومة الحقيقية الأولى، وللأسف المُسكّر الأبدي حد الثمالة للسلطة التي لا تريد ولا تستطيع أن تتغير، وللشعب الذي ربما لم يعد يهمه التغيير!