الله لا تربّحكم!
جاءني أستاذ قديم متقاعد، يبكي ويذرف الدموع، على حال قطاعات طوّرت بلدانا وحوّلتها إلى “جنـّة”، فيما تواجه للأسف عندنا، إمّا الوأد أو التحنيط، وهو ما أفرز وضعا مأساويا، و”كرّه” المواطنين في بلدهم، أو بالأحرى، وهذا هو الأصحّ، في العباد الذين يتولون شؤون هذه القطاعات!
الفضائح والمهازل و”الجرائم” التي تجتاح قطاعات كالصحة والسياحة والفلاحة والتجارة والبيئة، تجعل العاقل قبل المجنون، يخنق نفسه والعياذ بالله بخيط “السباولو”، استنكارا واحتجاجا على هذا التسيير الأحمق الذي يُثير القنطة والقنوط ويحرّض على الانتحار!
لولا مساعي واجتهادات الأيادي الخيّرة، لعمّت الفوضى، وتعمّمت المأساة وانتشر اليأس، نتيجة سوء التدبير في قطاعات من المفروض أن الدولة تستند إليها وقت الشدّة، وتعوّل عليها في أزمة مالية مثل هذه المحنة التي يفرضها علينا منذ عّدة أشهر انهيار أسعار البترول.
من الطبيعي أن يفرّ الطبيب والمريض من القطاع العمومي نحو القطاع الخاص، فيتم تسمين “السماسرة” وتتحوّل صحة الجزائريين إلى رهينة تتقاذفها تارة “مافيا الدواء”، وتارة “مافيا ترهيب المرضى”، وتارة أخرى مافيا تعذيب المواطنين في المستشفيات وتعريض حياتهم إلى الخطر!
من الطبيعي أيضا أن يفرّ آلاف الجزائريين إلى الجارة تونس وإلى تركيا وجزر الواق واق والمالديف وماليزيا وحتى إلى لوزوطو، بحثا عن الاستجمام والراحة في موسم العطل والاصطياف، بسبب العجز عن إحياء وإنعاش السياحة في جيجل ومستغانم وبجاية وعنابة والقالة ووهران وتيكجدة والأهقار والطاسيلي.. فصدقوا أو لا تصدقوا!
أليس من العيب و”التبهديل”، أن نتنفس الخردة والنفايات والزبالة في شوارع الجزائر البيضاء، وتعجز الشركات المكلفة بمهمة التنظيف، والبلديات، أو تتماطل وتتقاعس، لكن عندما نطير إلى بلد ما، كمواطنين ومسؤولين، “نتشهى” ومنـّا من تصيبه الدهشة والذهول؟
أليس من العار، أن نرمي أطنان الطماطم في أدرار، والبطاطا في معسكر، ونفرّط في كبش أولاد جلال، بينما نستوردها من الخارج، في علب معلبة ببطاطا الخنازير، ولحوم مجمدة من الهند والبرازيل، وتتناطح البواخر بحاويات الكيوي والموز والأناناس وحتى البصل والثوم، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
هذه نماذج قليلة، فقط، ولا داعي للنبش في الجراح، وتبرير “الله لا تربّحكم” التي يرددها كلّ محبّ لهذا البلد.. اللهمّ إني صائم أيام الصابرين.