”هجرة عكسية” للعمال من القطاع الخاص إلى العام
بعد أن كان موظفو وعمال القطاع العام ينتقلون إلى العمل لدى القطاع الخاص في السنوات الماضية بسبب منح القطاع الخاص أجورا مغرية مقارنة بالقطاع العام، وهو ما حدث في قطاعات عديدة ومنها الطب مثلاً حيث استقطبت العيادات الخاصة الكثير من أطباء وإطارات المستشفيات، بدأ العكسُ يحدث مؤخراً، حيث شرع موظفو وعمال القطاع الخاص في “هجرة عكسية” إلى القطاع العام بعد أن ارتفعت مجمل الأجور بفعل النشاط النقابي الحثيث في مختلف القطاعات العمومية بينما بقيت أجور القطاع الخاص ثابتة.
إلى ذلك، كشف تحقيق ميداني أعده المعهد الوطني للإحصاء شمل 911 مؤسسة عامة وخاصة، أن معدل الأجر الصافي العام للجزائريين ارتفع سنة 2012 مبلغ 31.800 دج للشهر، جراء الزيادات التي طالت العديد من القطاعات، وبيّن التحقيق أن متوسط الأجر الشهري بلغ 45.500 دج في القطاع العمومي، مقابل 25.700 دج في القطاع الخاص، وهذا ما يعتبر تحولا جذريا في سلم الأجور، حيث تفوق القطاع العام على القطاع الخاص في مستوى الأجور والتحفيزات، ما تسبب في “هجرة جماعية” للعمال من القطاع الخاص نحو القطاع العام الذي بات أكثر استقرارا وضمانا لمستقبل الموظفين، على غرار المؤسسات الخاصة التي تحول الكثيرُ منها إلى مصدر لاستغلال و”مص” جهد العمال مقابل أجور زهيدة وحقوق مهضومة.
وبيّن التحقيق الذي يهدف إلى تحديد مستوى الأجور الشهرية الصافية حسب التأهيل والنشاط والقطاعات وكذا تشكيلة الأجر الخام “الأجر القاعدي والمنح والتعويضات”، أن الأجر القاعدي في القطاع العام يمثل 4،51 بالمائة من الأجر الخام والمنح والتعويضات تمثل 6ر48 بالمائة، وفي بعض الفروع تكون حصة الأجر القاعدي اكبر على غرار “النشاطات المالية” و”الصناعات الاستخراجية” حيث تمثل 59 بالمائة و57 بالمائة على التوالي، ويمثل الأجر القاعدي في القطاع الخاص 4،70 بالمائة من الأجر الخام والمنح والتعويضات تمثل 6ر29 بالمائة. وبالعكس فإن هذه الحصة الكبيرة “في الأجر” لا تمثل سوى 51 بالمائة بالنسبة لفروع الفنادق والمطاعم و 3،49 بالمائة تمثلها المنح والتعويضات.
وتدل هذه الأرقام والمعطيات على تحول كبير في معادلة القطاع العام والخاص في الجزائر، حيث تسببت الزيادات المعتبرة في الأجور في العديد من القطاعات على غرار التعليم والصحة والأمن والإدارة بتحسين المستوى المعيشي لملايين العمال، حيث انتقل متوسط الأجور من 20 ألف دينار في نهاية التسعينيات، إلى 45 ألف دينار سنة 2012، وهذا ما جعل العمل في القطاع العام حلم أي شاب سيتخرج من الجامعة حيث استقطب قطاع التعليم وحده قرابة نصف مليون وظيفة جديدة خلال السنوات الأخيرة، بالمقابل عرف القطاع الخاص نزيفا حادا في العديد من المؤسسات الأجنبية والوطنية، حيث تراجع مستوى الأجر الشهري من 30 ألف دينار خلال السنوات الأولى من الألفية الثانية إلى 25 ألف دينار سنة 2012، وهذا ما تسبب في هجرة جماعية للعمال من المؤسسات الخاصة نحو القطاع العام.
وكشف التحقيق الذي أنجز باستعمال البريد والذي مس 912 مؤسسة منها 611 عمومية و301 وطنية خاصة والتي يقدر عدد عمالها بـ20 عاملا، أن ارتفاع الأجور كان أكبر أهمية في بعض قطاعات النشاطات مقارنة بقطاعات أخرى، لاسيما في قطاع الصناعات الاستخراجية “انتاجات وخدمات المحروقات والمناجم والمحاجر” مع ارتفاع بنسبة 15 بالمائة والمالية “بنوك وتأمينات” سجلت ارتفاعا بـ12 بالمائة والنقل والاتصالات “6،11 بالمائة” والتجارة و”3،9 بالمائة”، وحسب التأهيل اظهر التحقيق أن إطارا في القطاع العام يتلقى معدل اجر صاف بقيمة 59.400 دج مقابل 36.700 دج بالنسبة لعمال التحكم و23.500 دج بالنسبة لعامل تنفيذ، وبلغت أجور الإطارات في القطاعات المتعلقة بالمحروقات والمالية حيث يوجد عمال جد مؤهلين 105.000 دج و62.200 دج على التوالي.
وبالنسبة للقطاع الخاص فإن الأجور لا تتعلق بسلم معين وإنما ترتبط بنوعية المؤسسة ومجال نشاطها، حيث ترتفع الأجور في المؤسسات البنكية والتأمين، على عكس المؤسسات التجارية والخدماتية التي تعرف نزيفا حادا، وهذا ما يجعل المستقبل في الجزائر للقطاع العام حسب العديد من المختصين الذين اتهموا المؤسسات الخاصة بفرض نوع من الاستغلال للنشاط البشري، في ضل غياب التأمين والحوافز والمنح.