العقاب ينتحر شنقا!
وزير التربية عبد اللطيف بابا أحمد، قلّب الطاولة أو أوعز بقلبها على إصلاحات أو “اسلاخات” منسوبة إلى بن بوزيد وبن زاغو، وحتى إن اصطفّت الأسرة التربوية والمعلمون والأساتذة ومعهم أولياء التلاميذ وراء الوزير الجديد، فإنه من المطلوب ومن العدل، استدعاء بن بوزيد وبن زاغو إلى حضور جلسات “محاكمة” الإصلاحات، حتى يتم الاستماع إلى أقوالهما كـ”متهمين” أو “متواطئين”، ولا تكون المحاكمة بلا متهم وبلا شهود شافو كلّ حاجة!
هل يُعقل أن يقلب الوزير الجديد الطاولة على “إنجازات” ومخلفات الوزير القديم؟ وهنا لا يتعلق الأمر فقط بقطاع التربية، وإنـّما العملية الاستعراضية تخصّ عديد الوزارات التي فيها اللاحق يلعن السابق، و”يمسح الموس” في أخطاء وخطايا المُقال أو المطرود أو المسرّح بإحسان!
هل فعلا: بن بوزيد وبن زاغو هما من خاطا الإصلاحات وهندسا لها؟ وإذا كانا هما المتورطين الأساسيين، فلماذا هكذا يتم فتح بطن الإصلاحات دون إحضار الطبيب الذي تولى العملية الجراحية الأولى، التي كانت فاشلة حسب تشخيص هؤلاء وتقييم أولئك؟
بن بوزيد الذي يُتهم بإفساد “المظلومة” التربوية وتحويل التربية على “تغبية”، هو الآن سيناتورا في مجلس الأمة، وبن زاغو المتهم هو الآخر بمشاركة الوزير السابق “المخطط” هو رئيس لجامعة من جامعات التعليم العالي، وبالتالي هل يُعقل أن يُتهم هذا وذاك هكذا دون استدعائهما ودون إجبارهما على تقديم حصيلتهما، حتى يتضح محلهما من اعراب الإصلاحات!
لقد طرقت الإصلاحات أبواب التربية والعدالة وهياكل الدولة، لكن الضجّة والضجيج والشكاوى، ارتكزت على ملاحقة قطاع التربية فقط، إمّا لأنه القاعدة الأساسية لبناء المجتمع، وإمّا لأن القطاعين الآخرين “نجحا” في إصلاح نفسيهما(..)، وهو ما جنـّبهما الفوضى والاصطدامات التي تعيشها المؤسسات التربوية منذ عدّة سنوات!
مصيبة القطاعات في الجزائر أن “واجب التحفظ” يُخرس المسؤولين السابقين، ويقطع ألسنة الوزراء المغادرين، ولذلك يقول اللاحقون ما يُريدون قوله، ويزعمون ويدّعون ويُنشدون ما يُريدون هم سماعه، بعيدا عن النقاش وعن من يُشوّش عليهم ويُرغمهم على الاستماع لنقطة نظام !
مصيبة المصائب أن كلّ سابق يقول: “خاطيني”، واللاحق يتبرّأ و”يمسح الموس” في السابق، وهذه هي التي جعلت القطاعات مريضة بصراع السابقين واللاحقين وتصفية الحسابات بينهم، وهو ما عطـّل المشاريع في كثير من الحالات، وحوّل التنمية إلى لعبة “غميضة” يتسلى بها هؤلاء وأولئك ويزرعون بالتالي اليأس و”القنطة” وسط الجزائريين!
مشكلة المشاكل هي عدم تحمّل المسؤوليات، وهي أيضا الهروب بالحصائل وكشوف النقاط، بما ألغى عمليات التقييم والجرد، وأغرق القطاعات في “الهدرة” والثرثرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع!
لو التزم كلّ وزير وكلّ مدير وكلّ وال وكلّ “مير” وكلّ مسؤول، أو بالأحرى لو تمّ إجبارهم قانونا على تقديم حصيلتهم والتصريح بممتلكاتهم، قبل وبعد الجلوس على مقاعدهم، لو تمّ ذلك، لما حصل ما يحصل من خروقات وتجاوزات واتهامات وتنابز بالألقاب، ولما تفرّق دم التسيير والفضائح بين القبائل، وانتحر الحساب والعقاب شنقا!