الرأي

‭.. ‬تـُحيي‮ ‬وتـُميت‮!‬

جمال لعلامي
  • 2618
  • 0

تحوّل انقطاع الأنترنت إلى حدث وحادث خطير،‮ ‬يثير انتباه وحديث عامة الناس،‮ ‬وعندما‮ ‬يصبح هذا الانقطاع أهم وأخطر من انقطاع الكهرباء والماء والهواء،‮ ‬ويصنع التحليل والاستفسار أكثر ممّا تصنعه ندرة الخبز أو الحليب،‮ ‬فهنا‮ ‬يجب التوقف بعمق لفهم الظاهرة‮!‬

قال لي‮ ‬أحد الزملاء،‮ ‬إنه دخل بيته في‮ ‬المساء،‮ ‬فتفاجأ بجوّ‮ ‬حزين،‮ ‬إلى درجة المأساة،‮ ‬الكلّ‮ ‬صامت حزين،‮ ‬غاضب مستاء،‮ ‬ينتظر الفرج،‮ ‬فسكنه الفزع من هذا المشهد الغريب الذي‮ ‬لم‮ ‬يألفه في‮ ‬الأيام العادية،‮ ‬وعندما سأل‮ “‬وزير داخليته‮” ‬وأمّ‮ ‬العيال،‮ ‬عن سبب هذا التشنـّج والهدوء الذي‮ ‬يسبق العاصفة،‮ ‬ردّت عليه باستهتار‮: “‬واش ماعلابالكش‮..‬الأنترنت راحت‮”!‬

إنّها‮ ‬يا جماعة الخير،‮ ‬الطامة الكبرى،‮ ‬فعندما تصبح الأنترنت قضية‮ “‬حياة أو موت‮”‬،‮ ‬وتصبح مخدّر للعائلة ومفجّر لسكونها وسكينتها،‮ ‬وتتحوّل إلى”دواء‮” ‬ينوّم أوجاع الفرد والجماعة،‮ ‬ومجمّع للعائلة ومفرّق لها،‮ ‬فلا بدّ‮ ‬أن نفهم أسباب وأهداف هذا التعلق الهستيري‮ ‬والإدمان المرضي‮ ‬على هذه الأنترنت التي‮ ‬توقفت فكادت أن تتوقف معها الحياة‮!‬

لقد أصبح أفراد المجتمع،‮ ‬وليس هذا سرّ‮ ‬أو اختراع،‮ ‬أسرى لكابلات واستقطاب وألياف وساتل وأجهزة إلكترونية،‮ ‬ولا داعي‮ ‬هنا لتعداد إيجابيات ومغانم هذه الأنترنت،‮ ‬لكن أليس هذا الولاء والانتماء والطاعة بطريقة مفرطة،‮ ‬حوّلتنا إلى‮ “‬روبوكوب‮” ‬تسيّرنا التكنولوجيا بدل أن نسيّرها؟

عندما‮ ‬يمتلك الأطفال والقصر حسابات في‮ ‬الفايسبوك،‮ ‬ولهم إيمايلات واتصالات الكترونية،‮ ‬وهذا قد‮ ‬يكون أخطر من امتلاكهم بورطابلات وأرقام هاتفية شخصية،‮ ‬فذلك مشهد آخر لتطور‮ ‬يحبس أنفاس المجتمع الجزائري‮ ‬ويجعله رهينة ووسيلة تابعة وليست متبوعة‮!‬

الأمر خطير وخطير جدّا،‮ ‬فقد سعينا إلى أن نجعل”النات‮” ‬في‮ ‬أيدينا،‮ ‬فاستعبدتنا وسجنتنا،‮ ‬وفرّقتنا عن العائلة‮..‬قسمت ظهرنا،‮ ‬ومزقت شملنا،‮ ‬وأفسدت العلاقة بين الأب وأبيه،‮ ‬وبين الأم وأمها،‮ ‬وبين الأخ وأخيه،‮ ‬وتحوّلت الأنترنت إلى الصديق والوليّ‮ ‬والمستشار وكاتم الأسرار و”الزوج‮” ‬و”الزوجة‮”‬،‮ ‬وهذا أخطر ما في‮ ‬الموضوع‮!‬

مصيبتنا أنه حصل لنا ما حدث لـ”جوعان‮” ‬لم‮ ‬يأكل لفترة طويلة،‮ ‬مجبرا،‮ ‬وفجأة وجد نفسه أمام طاولة مزدحمة بأطباق ممّا لذ وطاب،‮ ‬مليئة باللحوم الحمراء والبيضاء،‮ ‬والخضر الطازجة والفواكه،‮ ‬والمقبلات والمشروبات،‮ ‬وحتى”النبيذ‮” ‬والعياذ بالله،‮ ‬فلم‮ ‬يفرّق بين ما رأته عينه،‮ ‬فالتهم كلّ‮ ‬شيء،‮ ‬حتى أصابته التخمة،‮ ‬وأضحى سكرانا بعدما شرب حتى الثمالة‮!  ‬

مقالات ذات صلة