الرأي

‮”‬أخرَجوا‮” ‬فرنسا‮… ‬وعادوا إليها؟

الأرقام التي‮ ‬تفضّلت بها السلطات الفرنسية،‮ ‬عن عدد الجزائريين الذين تحصّلوا على الجنسية الفرنسية،‮ ‬منذ بداية الألفية الحالية،‮ ‬أي‮ ‬في‮ ‬عزّ‮ ‬البحبوحة المالية التي‮ ‬قد لا تتكرّر أبدا،‮ ‬والتي‮ ‬قاربت نصف مليون حالة،‮ ‬من المفروض أن توقف كلام‮ “‬الإنشاء‮” ‬الذي‮ ‬نسمعه من مسؤولين،‮ ‬ويتغنّى به بعض المواطنين،‮ ‬من أبيات صادقة للشاعر الكبير الراحل مفدي‮ ‬زكرياء،‮ ‬التي‮ ‬صدح بها من سجن بربروس،‮ ‬ذات زمن ثوري‮ ‬ووطني‮ ‬جميل،‮ ‬لأن قذف كل هؤلاء الآلاف المؤلّفة بـ”الحركى‮” ‬من الذين تحصّلوا على الجنسية الفرنسية،‮ ‬والذين حاولوا ولم‮ ‬يتمكنوا وكلنا نعلم بأن أعدادهم أضعاف الحاصلين على الجنسية الفرنسية،‮ ‬يعني‮ ‬أن جزءا كبيرا من الشعب صار‮ ‬يرتضي‮ ‬ويطمح لأن‮ ‬يُقال عنه فرنسي،‮ ‬ويقدّم جواز سفر‮ ‬غير الأخضر،‮ ‬مهما كانت حججهم الإجتماعية على وجه الخصوص‮.‬

متفقون جميعا على أن اللاعب نبيل فقير مثلا،‮ ‬حرّ‮ ‬في‮ ‬اختياره اللعب لفرنسا وارتداء ألوان رايتها والخشوع لنشيدها الوطني،‮ ‬كما أن هذا النصف مليون والذين سبقوهم واللاحقون أحرار،‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬يسعوا لاكتساب أي‮ ‬جنسية كانت،‮ ‬ولكن‮ ‬غير المقبول أن‮ ‬يُسمعنا والد نبيل فقير،‮ ‬في‮ ‬كل مناسبة حكاية كفاح الأسرة ومساهمتها في‮ ‬طرد فرنسا التي‮ ‬ارتضاها ابنه بديلا عن الجزائر،‮ ‬أو‮ ‬يُسمعنا هذا‮ “‬الشعب‮” ‬النصف مليوني‮ ‬الذي‮ ‬حصل على الجنسية الفرنسية أبيات الولاء لبلد،‮ “‬باعوه‮” ‬بسرعة،‮ ‬نظير جملة صغيرة هي‮ ‬الجنسية الفرنسية‮.‬

فضمن الملايين من الذين حصلوا على الجنسية الفرنسية والذين‮ ‬يسعون إليها،‮ ‬يوجد من كل الطبقات بما في‮ ‬ذلك الأطباء والوزراء السابقين والأئمة والأدباء والإعلاميين ومن النساء والرجال وحتى الشيوخ ومن أبناء الشهداء من الذين عاشوا الحقبة الاستعمارية وذاقوا من كأسها،‮ ‬وقد مكنتهم جميعا فرنسا من أن‮ ‬يعيشوا بوجهين متناقضين عبر جنسيتين متناقضتين،‮ ‬فهم فرنسيو الهوى والمصلحة المعنوية والإدارية،‮ ‬وجزائريون‮ ‬يزعمون الوطنية كلما سنحت لهم فرصة الحصول على بعض الامتيازات في‮ ‬الجزائر‮.‬

قد‮ ‬يكون طلب فرنسا بالهجرة إليها،‮ ‬للتعليم وللعمل وللعلاج وللتسوّق منطقيا،‮ ‬وقد‮ ‬يكون التوجه إليها لممارسة الحرية من سياسة وأدب وإعلام وحتى لجوء سياسي‮ ‬مقبولا أيضا،‮ ‬ولكن أن‮ ‬يصبح الانتساب إليها،‮ ‬أسلوب حياة ومسعى وأمنية للملايين من الجزائريين،‮ ‬فالأمر‮ ‬يعني‮ ‬أننا في‮ ‬ظرف نصف قرن،‮ ‬قد فقدنا الكثير من المقوّمات حتى لا نقول من معاني‮ ‬النشيد الوطني‮ ‬الذي‮ ‬فجّره ذات زمن ثوري‮ ‬جميل الشاعر الكبير مفدي‮ ‬زكرياء‮.‬

سيكون من العبث اعتبار أمر اعتناق‮ “‬شعب‮” ‬من الجزائريين للجنسية الفرنسية،‮ ‬عادي،‮ ‬ويدخل ضمن الحرية الشخصية للأفراد،‮ ‬أو اعتبار الذين طلبوا الجنسية الفرنسية وتمكنوا ومنهم من‮ ‬ينتظر،‮ ‬بالحالة الشاذة التي‮ ‬لا‮ ‬يقاس عليها،‮ ‬لأن الأمر دخل الآن دائرة العلن والجهر،‮ ‬والرقم بلغ‮ ‬مئات الآلاف،‮ ‬بل وتجاوز كل الحدود عندما صار الجزائريون‮ ‬يحتفلون بلاعب مثل زين الدين زيدان وهم‮ ‬يعلمون بأنه لم‮ ‬يقم في‮ ‬حياته بأي‮ ‬شيء مهم،‮ ‬سوى إعلاء علم فرنسا والنشيد الفرنسي‮… ‬وفقط‮.   ‬

مقالات ذات صلة