”أرينا ساوباولو” ورشة غير مكتملة “قتلت” 3 عمال وأرقت الفيفا
تمكنت، مساء أول أمس، بعثة “الشروق” من التسلل إلى ملعب “أرينا ساوباولو”، أو كما يعرف محليا بملعب كورينتيانس، وهو الملعب الممنوع على وسائل الإعلام العالمية في الفترة الأخيرة، نتيجة التأخر الكبير في تجهيزه 100 بالمئة للمباراة الافتتاحية لكأس العالم 2014، بين منتخب البلد المنظم البرازيل ومنتخب كرواتيا. ووقفت “الشروق” عند الأشغال التي لم تتوقف بهذا الملعب ثلاثة أيام فقط عن موعد المباراة الافتتاحية، وهي السابقة التي لم يمر بها الاتحاد الدولي لكرة القدم منذ إطلاقه منافسة كأس العالم.
كانت الساعة تشير إلى الساعة السادسة والنصف مساء بالتوقيت المحلي لمدينة ساوباولو البرازيلية، العاشرة والنصف ليلا بتوقيت الجزائر، عندما دخلنا إلى ملعب “أرينا ساوباولو” من البوابة الخاصة لخروج العمال، حيث استغللنا انشغال الجميع بالأشغال الجارية في الملعب والظلام للولوج إلى هذا الملعب الذي تسلمته الفيفا وحظرت فيه أي عملية تصوير أو زيارة لوسائل الإعلام وكانت مفاجأتنا كبيرة عندما رأينا العدد الكبير من العمال والآلات وحتى الرافعات، لإتمام الأشغال في ملعب أثار الكثير من المتاعب للاتحاد الدولي لكرة القدم، خاصة أنه سيحتضن المواجهة الافتتاحية، التي تمثل أبرز حدث للفيفا لحضور عدة شخصيات سياسية وعالمية للمواجهة الافتتاحية.
مدرجات غير مكتملة ورافعات “الموت” لا تزال حاضرة
وكانت أبرز الأشغال تلك الجارية على مستوى المدرجات المؤقتة، سواء الشمالية أم الجنوبية، والتي تتسع كل واحدة منها لعشرة آلاف متفرج، حيث كانت الرافعات حاضرة بالمدرجات الجنوبية غير المكتملة ثلاثة أيام فقط قبل المواجهة الافتتاحية بين البرازيل وكرواتيا، وبدت المدرجات، حسب معاينتنا، غير جاهزة لاحتضان العدد الرسمي من المتفرجين، خاصة أن الفيفا لم تسمح للسلطات البرازيلية ببيع سوى عدد محدود من التذاكر خلال اللقاءات التجريبية بهذا الملعب، نتيجة تحفظ المصالح الأمنية على سلامة الجماهير، ما يفتح المجال واسعا أمام التأويلات حول جدوى التدابير المتخذة في هذا الشأن قبل المقابلة الافتتاحية، خاصة أن الفيفا تراهن على ملء مدرجات الملعب بسعته الرسمية المقدرة بـ65 ألف متفرج، في وقت عرف فيه الملعب وفاة ثلاثة عمال، اثنان منهم في حادثة سقوط رافعة عملاقة على المدرجات المؤقتة الجنوبية.
أشغال بكل مكان ونقائص عديدة دون حل
واستغربنا كثيرا، خلال جولتنا التفقدية بعدة مرافق في الملعب، بالأشغال الجارية في كل مكان ومرفق، ورغم الوقت المتأخر إلا أن العمال كانوا يعملون على الأضواء الكاشفة في محاولة “يائسة” لتدارك التأخر الكبير الحاصل في الملعب وتجهيزه للمواجهة الافتتاحية، على غرار تجهيز مداخل المدرجات والسلالم المؤدية إليها، حيث كان العمال منهمكين في تسوية البلاط في بعض المناطق من الملعب، فضلا عن صباغة بعض الجدران، وهي مؤشرات تؤكد فشل السلطات البرازيلية في الاستجابة لتحذيرات الفيفا المتوالية بخصوص تأخر تسليم ملعب كورينتيانس، المعروف هنا أيضا باسم “إيتاكيرا”.
منصة الإعلاميين غير مكتملة وشبكة اتصال “رديئة”
كما لاحظنا أيضا أن المنصة المخصصة للإعلاميين، والتي ستحتضن عددا قياسيا منهم خلال المواجهة الافتتاحية، غير جاهزة مئة بالمئة، حيث لم يتم نصب الكراسي والطاولات في كل أرجائها، فضلا عن التأخر في ضبط أجهزة الاتصال وشبكة الإنترنت، التي تحفظ عليها الاتحاد الدولي لكرة القدم، والتي أكد البرازيليون أنها ستكون جاهزة يوم لقاء الافتتاح، رغم فشل التجربتين السابقتين خلال مواجهتين لنادي كورنتيانس مالك الملعب، وهو ما سيصعب من مهمة الصحفيين خلال تغطية المواجهة الافتتاحية وكل المباريات التي سيحتضنها الملعب إن لم يتم تدراك هذه النقائص بصفة فعلية.
المرافق الأمنية والمركز الإعلامي غير جاهزة
من جهة أخرى، سجلنا عدم جاهزية المرافق الأمنية والمركز الإعلامي بالملعب، في وقت لم يطرح هذا الإشكال في الملاعب البرازيلية الأخرى المعنية باحتضان مواجهات كأس العالم 2014، حيث لم تنصب الخيم المخصصة لهذا الشأن بمحيط الملعب كما جرى اعتماده في المونديال الأخير في جنوب إفريقيا، كما أن المركز الإعلامي سجلت عليه عدة تحفظات وقد لا يكون جاهزا مئة بالمئة خلال لقاء البرازيل وكرواتيا.
أرضية الملعب كارثية والأمطار قد تفسد حفل الافتتاح
وبنظرة بسيطة إلى أرضية الميدان، اتضح لنا أن الأخيرة ليست في مستوى الحدث الذي تشكله المباراة الافتتاحية، حيث بدت سيئة في عدة مناطق ولم تكن مستوية، ما سيصعب دون شك من أداء اللاعبين خلال اللقاء الافتتاحي، خاصة أنها تأثرت بالأمطار التي سقطت مؤخرا، والتي من شأنها إفساد حفل الافتتاح، على اعتبار أنها ستتعرض لضغط كبير بسبب مراسيم الحفل وقبل انطلاق المباراة، وهو ما يتخوف منه المنظمون.
البرازيليون يسعون إلى إنقاذ سمعتهم وبلاتير لا ينام
وكانت السلطات البرازيلية وعلى رأسها رئيسة البلاد ديلما روسيف، أكدت مرارا للاتحاد الدولي لكرة القدم قدرتها على تسليم كل الملاعب وفق الجدول الزمني المحدد، وشددت على جاهزية ملعب “أرينا ساوباولو” يوم اللقاء الافتتاحي، وهو ما يفسر بقاء الأشغال إلى غاية الأنفاس الأخيرة، في محاولة لحفظ ماء الوجه وإنقاذ سمعة البرازيل، المعنية أيضا بتنظيم الألعاب الأولمبية سنة 2016، فيما ذكرت مصادر من الفيفا أن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم سيب بلاتير لا ينام بسبب كل التأخر الحاصل في ملعب ساوباولو.
انتقادات عديدة إلى الفيفا
وتعرض الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى انتقادات عديدة بسبب عدم التزام السلطات البرازيلية بدفتر الشروط الخاص بكأس العالم، وعجزها عن تسيير كل التأخرات التي حصلت في عديد الملاعب، وأبرزها ملعب ساوباولو، حيث يحسب على بلاتير عدم تعامله بحزم مع البرازيليين إلا بعد فوات الأوان، وهو ما كان وراء ما يحدث حاليا، حسب العديد من المتتبعين.
فرق شاسع بين جنوب إفريقيا والبرازيل
وبحكم تجربتنا السابقة في كأس العالم الأخيرة التي جرت بجنوب إفريقيا 2010، اتضح لنا الفرق الكبير بين قدرات ممثل القارة السمراء والبرازيل على تنظيم المونديال، وإذا قارنا مثلا بين ملعب المواجهة الافتتاحية خلال كأس العالم 2010، وهو ملعب “سوكر سيتي” وملعب “أرينا ساوباولو”، نمنح مباشرة التفوق لجنوب إفريقيا، والذي كان ملعبها جاهزا آنذاك لاحتضان الموعد العالمي بأشهر وبمواصفات لا تتوفر إطلاقا حاليا في ملعب ساوباولو، الذي عاينته “الشروق” يوم السبت.
”فشل” بـ350 مليون يورو
ولم تكن الجاهزية المشكلة الوحيدة التي لاحقت الملعب الذي سيحتضن أول لقاء لأشبال سكولاري في المونديال، بل طالته مشكلة أكبر وهي القيمة المالية الكبيرة جدا المخصصة له من قبل السلطات البرازيلية، حيث قدرت بحوالي 350 مليون يورو من أجل تشييد ملعب غير جاهز وبمدرجات مؤقتة لاحتضان أول مواجهة في كأس العالم 2014، وهي من أبرز الأسباب التي جعلت البرازيليين يحتجون على تنظيم بلدهم لهذا الحدث العالمي الكبير، بحجة “تبذير” الدولة، على حد تعبيرهم، للأموال العمومية على حساب الراحة الاجتماعية للشعب البرازيلي.