”الأنا هو الآخر والاختلاف فطري”
إننا إذا استندنا إلى منطق الأحداث نستطيع أن نقول إنه مرّ أكثر من عقد من الزمن على”انفراج” مأساتنا الوطنية التي أدخلت الجزائر في نفق مظلم، أيقن العدو، وكاد يؤمن الصديق بأن كيانها قد تصدع، وأن وحدتها قد تلاشت وأنها لن تخرج منه ولن ترى النور بعده أبدا.. لقد عرفت أفظع أنواع التطرف والإكراه والعنف وما جر إليه من إجرام وإرهاب، مما جعلها من أكثر بلاد العالم خبرة وأغناها تجربة في هذا المجال، بل وأصبحت رائدة في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة التي صارت تهدد العالم بأسره.. كلنا ندرك هذا جيدا، وكلنا يذكره، وكيف لا وذاكرة كل من عاش تلك العشرية الدامية ما تزال تنزف ما خزنته من ألام وجراح..
لكن السؤال الذي يمليه علينا واقعنا اليوم بعد مضي هذه المدة من الزمن هو: هل اتعظنا حقا بهذه المأساة.. وهل أدركنا فعلا حجم مسؤولياتنا تجاه الأجيال الناشئة وقمنا بما لها علينا من حق لتحصينها من هذه الظاهرة وشرعنا في إبعاد دواعيها واستئصال جذورها من الأساس؟
ما الذي تغير مثلا في منظومتنا التعليمية والتربوية، وهل تم الاجتهاد في المساحة الجديدة التي ينبغي أن تحتلها فيها ثقافة التسامح وفي سياستنا الثقافية والاجتماعية عموما؟
لا أحصر مفهوم هذا التسامح في ذلك الخلق النبيل الذي يدخل في ما هو مشترك إنساني عام يحمده جميع الناس على اختلاف أجناسهم وثقافاتهم؛ فهذا الخلق بهذا المنظور ليست له “القداسة” المستمدة من الدين، ولا يكون ملزما لصاحبه إلزاما دينيا، بخلاف المؤمن الذي ينشد به رضوان الله سبحانه لأنه يراه من الإحسان إلى الخلق الذي هو أعلى مراتب الإيمان!
الذي ينبغي أن نغرسه في أذهان ناشئتنا هي المبادئ الأساسية التي يقيم عليها الإسلام ثقافة التسامح وهي: أولا أن”الاختلاف” بين بني البشر هو أمر طبيعي، وهو سنة من سنن الله في خلقه، وثانيا التنوع والتمايز والتعدد في إطار الوحدة الجامعة، وأخيرا أن الأنا هو الآخر!
إن هذه الأسس الثلاثة تتنافى تنافيا كليا مع كل نزعة عدوانية أو ميل إلى التعصب والإقصاء وكل ما من شأنه أن يضخم “الأنا ” تضخيما يؤدي إلى إلغاء الآخر..
ثقافة التسامح تعني ابتداء الإيمان بأن”المغايرة” حق لا يمكن أن يجرّد منه أحد، لأنه يمثل القاعدة التي انبنى عليها مبدأ التعارف في الإسلام – سواء بين الأفراد أو الجماعات أو الشعوب والأمم “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”
ينبغي أن نشكّل ذهنيات أجيالنا وفق هذه الأسس أو المبادئ العامة، حتى يصبح من المسلّمات التي لا تقبل نقاشا أو جدالا أن للآخر الحق كل الحق في أن يخالفني لأنه متميز عني مغاير لي، فأنا لذلك مدعو بل مطالب بقبوله وتقديره واحترامه واحترام خصوصيته، ومن الخطأ الجسيم أن أعتقد بأن المنطقي والصحيح هو أن يكون الآخر نسخة مني أو أن أكون أنا نسخة منه، لأن ذلك يتعارض مع الفطرة أصلا فالاختلاف بين البشر الأسوياء أمر طبيعي، بل هو ضروري لأنه عنصر ثراء وغنى مادام اختلافا في الرأي ووجهات النظر وليس اختلافا في الجوهر فيدفع إلى الخصام والقطيعة والعداء..
من أجل ذلك كان الأساس الذي انطلق منه الإسلام لغرس ثقافة التسامح هو الفرد وذلك بتنقية قلبه من الضغائن والأحقاد والكبر وكل نوازع التصّلب والعنف التي تؤدي إلى الخصام والشقاق والعدوان! وفي القرآن الكريم آيات عديدة ضبطت هذه النوازع وربطتها برضى الله سبحانه وبسخطه لما لها من أثر بالغ في توطيد السلم والحفاظ عليه، انطلاقا من دائرة الأفراد فيما بينهم ثم بين الجماعات والشعوب والأمم، من ذلك قوله عز وجل “لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو إصلاح بين الناس”.
لقد حرم القرآن الكريم كل أشكال الظلم والبغي والعدوان وحث على إقامة مبادئ العدل والأمن والسلام وأحدث “ثورة” في ما يسمى اليوم بحقوق الإنسان، فصاغها وبيّنها، وانتظرت البشرية أربعة عشر قرنا لكي تهتدى إليها، فتقرها نظريا وتهدر معظمها عمليا، كما نعلم ذلك جميعا.
إن أكبر “ثورة” سياسية اجتماعية، بل فكرية فلسفية في النظر إلى الكرامة الإنسانية هي قوله سبحانه “من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”.
القرآن الكريم هو الذي دعا إلى عدم التفريق بين الناس حتى بسبب العداوة والبغضاء، فقال “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى” والقرآن الكريم هو أول كتاب سماوي يفرض على أتباعه تقديس الكليات الخمس حتى بالنسبة لأهل الذمة، فكفل لهم العقل والدين والمال والنفس والعرض.
إن هذا التسامح الديني هو الذي مكن من ميلاد الحضارة الإسلامية ونموها وانتشارها السريعين، لأنه هو الذي ضمن لغير المسلمين كرامتهم وحريتهم وحقوقهم، فاعتزوا بالانتماء إليها لأنها جعلتهم يشعرون بإنسانيتهم ويحسون بالدافع القوي إلى خدمتها، والإضافة إليها عن طواعية وطيب خاطر، فظهر بفضل ذلك لأول مرة في تاريخ الحضارات، ما يمكن أن نسميه اليوم “المواطن العالمي” ولقد جسد المسلمون الأوائل هذا المفهوم الشامل الذي يؤطر علاقة المسلم بالآخر، عموما وبغير المسلم خصوصا، وهم في أوج قوتهم وعزهم وسيادتهم، من ذلك مثلا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما وضع ديوان الخراج وديوان الجند فإنه لم يتحرج من الإبقاء على العمال غير المسلمين الذين كانوا يتوّلون أمور هذا الديوان في عهد الدولتين الفارسية والبيزنطية، بل إنه لم يتحرج من الاحتفاظ باللغات الأجنبية التي كانت تدار بها تلك الأعمال، ولم يجبر أحد من أولئك العمال على اعتناق الإسلام ولم يشكك في شرفهم وأدائهم لأماناتهم.
الأنا هو الآخر ..إننا عندما نرسخ هذا المبدأ في أذهان ناشئتنا ينبغي أن تصحبه هذه الحقائق الدينية والتاريخية لكي يزداد اعتزازا بانتمائه وتمسكنا بمرجعيته، ولكي يعلم أن بعض الحضارات المعاصرة التي تدعي الريادة في هذا المجال وتدعي لنفسها فضل السبق في الدعوة إلى هذه القيم نجد شعارها الذي يعكس “عقيدتها” في الواقع هو”الجحيم هم الآخرون” عنوان المسرحية الشهيرة للفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر!