”باطوارات” لتوليد النساء … والتطعيم ”بالمعريفة”
يعتقد الكثير من المرضى من ابتلاهم الله بداء أن المعاناة تبدأ من لحظة الإصابة، وظهور أعراض توحي بتدهور حالتهم الصحية، لكن الواقع المعاش يعكس النظرية تماما، كون المعاناة الحقيقية تبدأ بمجرد وقوفك على أقسام الحالات المستعجلة بالمستشفيات والمستوصفات العمومية، المفتقرة إلى الرقابة والتنظيم وسوء التسيير الذي يزيد من تأزم الحالة الصحية للمريض.
يوميات المريض ومعاناته المستمرة تختزل بين الطوابير اللامتناهية والانتظار الطويل حتى ولو كانت الحالة الصحية للمريض متدهورة وتستدعي معاينة وعناية مستعجلة، إلا أن الاستثناءات تكون بالتوصيات والمحسوبية، ليتجرع المريض مرارة مصلحة الاستعجالات، تلك حالة المرضى الذين وقفت “الشروق” على مأساتهم وسط أصوات صاخبة لمرضى وتوسلات للأطباء لمعاينتهم والتخفيف من شدة ألامهم، ليصدموا في أخر المطاف بانعدام الحقنة المسكنة للألم بالنسبة للأمراض المزمنة وحتى الحقنة الخاصة بالنساء الحوامل مع انعدام تام لدواء “سباسفون” أو بديل له مسكن للآلام في ظل الفوضى العارمة وسوء التسيير وغياب مراقبين من طرف قطاع الصحة
حقنة تطعيم الأطفال بالمحسوبية …والولادة ”بالباطوار” لمن استطاع إليها سبيلا بقسم الاستعجالات
فوضى عارمة ونقص كبير بمصالح الاستعجالات بالمستشفيات نتيجة نقص الأدوية المسكنة للألم، أولها حقنة استثارة الولادة الخاصة بالنساء الحاملات، وحقن التطعيم للأطفال حديثي الولادة في شهرهم الأول، عجز كبير لمسناه على مستوى مستوصفات براقي الأربعاء سيدي موسى الكاليتوس، تقربنا من بعض المرضى فكانت ردود أفعالهم عنيفة جراء الإهمال والتهميش على حد تعبير السيدة “صوريا” “العلاج يتطلب وساطة”، حيث حين قصدت مستوصف بلدية الأربعاء لتطعيم ابنها في شهره الأول تم رفض تطعيمه بسبب انعدام الحقنة، تضيف المتحدثة أن سيدة جاءت متأخرة ولأن زوجها صديق الطبيب تم تطعيم ابنها بعد أن ردت عبارة “أرسلني فلان”. واصلنا جولتنا الميدانية فكانت قبلتنا مستشفى القبة ونحن بغرفة الاستقبال سمعنا حديث النسوة عن حادثة مؤلمة بطلتها إحدى القابلات التي أهملت وظيفتها، حين كانت بصدد إجراء ولادة قيصرية ومن سوء حظ المريضة تركت مدة ربع ساعة على الطاولة بسبب رنين هاتف الممرضة التي انهمكت في الرد على المكالمة تاركة المريضة مفتوحة على طاولة العمليات، الأمر الذي نجم عنه مضاعفات صحية خطيرة، تضيف اعتقدت أنني في “باطوار” لسلخ اللحوم” متسائلين أين هي الرقابة الطبية ودور الوزارة الوصية؟ وعن استقبال النساء للولادة فالتأجيل والتحجج بعدم وجود أماكن والإمكانيات الطبية اللازمة في حال كانت الولادة مستعصية رنة المستشفى التي لاتتغير، والأكثر من هذا أن أقسام الولادة تفتقر إلى النظافة والتعقيم الصحي، والموعد يكون دوما بالمعرفة حسب المرسل، تقول سيدة “سامية.م” التي قصدت المستشفى لوضع مولودها الأول انها لاقت صعوبات كبيرة في ظل الإهمال والتسيب حين وضعتها القابلة بإلقائها على الأرض لاستثارة الولادة بحقنة “سباسفون” التي طلب منها وهي تتألم بجلبها من خارج المستشفى، كون الحقن نفذت، إلا أن صراخ زوجها وتهديدهم بإيداع شكوى ضدهم جعلها تتدبر الأمر، لكن القابلة انتقمت من السيدة تضيف الضحية حين قامت بإخراج مولودها بالقوة، مما تسبب في شرخ على مستوى يده اليمنى وإلى غاية الآن يخضع لعلاج طبي مكثف نتيجة الإصابة”.
وجهتنا الموالية كانت مستشفى “سليم زميرلي” الكائن على مستوى بلدية الحراش، بمجرد دخولنا مصلحة الاستعجالات لفت انتباهنا صراخ وأنين المرضى المتوافدين عليه في الفترة المسائية، وسط طوابير لا متناهية وعناية محدودة واستقبال حسب مزاج الموظف، كون المستشفى يتوسط كثافة سكانية هائلة وسط طوابير طويلة، والغريب في الأمر أن المقاعد في قاعة الانتظار محدودة العدد ولك أن تتصور حجم المعاناة التي يتكبدها المريض طوال فترة انتظاره واقفا للدخول إلى قاعة العلاج، وحسب البعض ممن تحدثنا إليهم فإن هذه النقائص ليست وليدة الساعة، إلى جانب المعاملة السيئة من قبل بعض العاملين بمصلحة للمرضى، وهو الأمر الذي غالبا ما تنجم عنه مشاجرات ومشادات كلامية، في ظل عدم مطابقة المعايير والمواصفات الطبية، وهي لا تقدم خدمات في المستوى، لا من ناحية العناية الطبية بالمريض أو من حيث توفير له الوجبات والخدمات اللازمة.
… السيناريو يتكرّر بمستشفى مصطفى باشا
انتقلنا من سليم زميرلي إلى المستشفى الجامعي مصطفى باشا وسط العاصمة، حيث وقفنا على بعض النقائص المسجلة على مستوى غرفة الإنعاش التي تستوعب أربعة أشخاص مقارنة بكمية أنابيب الأكسجين غير أن الغرفة تضم أزيد من 12 مريضا حالتهم خطرة، في حين البعض الآخر ملقى على الأرض لنقص الأسرة، ونقص المناوبة بين الأطباء يجعل واحدا من الأطباء المشرفين يتكبد عناء التنقل من مريض لآخر وهو يصرخ وسط هستيريا لضغط وكثرة التشخيصات خاصة وأن الحالات لا تستدعي الانتظار، ويستوجب الدخول إلى الإنعاش ولو أن الغرفة لا تستوعب كل ذلك العدد، حيث يضم القسم غرفة فحص جراحة الأعصاب وغرفة فحص الجراحة العامة الذي يعاين الحالات التي تستوجب قيامها بعمليات جراحية مستعجلة.
742 حالة تستقبل يوميا….و3 سيارات إسعاف تزيد من معاناة المريض
وبالرغم من أن مستشفى مصطفى باشا يعد أكبر مستشفى إفريقيا، لاستقباله يوميا أزيد من 742 حالة حسب مصدر من مبنى المستشفى بالإضافة إلى حوالي 26 بالمائة من حالة حرجة تستقبل يوميا، إلا أنه لا يمكنك أن تسير في رواق المستشفى إلا وتصادف مرضى خارج الغرف لضيقها، منهم من تتم معاينته طبيا خارج الغرفة وحتى أخذ عينة من دمه للتحليل لعدم اتساعها واكتظاظ المرضى بها، في ظل تواجد أزيد من 3 أسرة في غرفة واحدة.
وإن كانت مصالح الاستعجالات تعتمد بشكل كبير على سيارات الإسعاف التي تنقل الحالات المستعجلة، إلا أنه كثيرا ما يتم توجيه المرضى برسائل إلى مستشفيات أخرى للتخلص من الأعداد الكبيرة وافتقار المستشفى للمعدات الطبية الخاصة، الأمر الذي يجعل المريض في رحلة البحث عن من ينقذ حياته خاصة حين يزداد الأمر تعقيدا وسط حركة المرور والفوضى بالطرقات وعدم احترام الرواق المخصص للإسعافات من قبل بعض السائقين، والأكثر من هذا النقص الفادح في سيارات الإسعاف للتداول على استعمال 3 سيارات إسعاف تفتقر لطاقم طبي متخصص من أكبر المشاكل التي تواجه قطاع الصحة والمستشفيات، حاولنا التقرب من بعض المسؤولين لإثراء الموضوع لكن يبدو أن الاجتماعات اليومية المتواصلة إجابة مسبقة لكل سؤال.