الرأي

‮”‬حكيم‮” ‬مجهول

كثيراما حدثنا من أدركناهم من شيوخ معهد الإمام ابن باديس‮ (‬أحمد حماني،‮ ‬العباس،‮ ‬شيبان،‮ ‬بوغابة‮…) ‬ومن تلامذهم،‮ ‬الذين صاروا بدورهم أساتذة ومسؤولين؛ كثيرا ما حدثونا عن شخصية كانت لتميزها حديث الخاص والعام في‮ ‬قسنطينة،‮ ‬إنه الشيخ محمد الطاهر لونيسي،‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يناديه بعضهم‮ “‬سيدي‮”‬،‮ ‬وهو نجل الشيخ حمدان لونيسي،‮ ‬أستاذ الإمام ابن باديس‮.‬

في‮ ‬العشر الأوائل من القرن العشرين هاجر الشيخ حمدان لونيسي‮ ‬إلى الحجار،‮ ‬هروبا من فرنسا التي‮ ‬ضيقت على الجزائريين أرضهم بما رحبت،‮ ‬ولم تبق لهم إلا الهواء،‮ ‬ولو استطاعت أن تمنعه عنهم لفعلت،‮ ‬ولتمجّدت بذلك‮.. ‬وقد تركها جان بول سارتر كلمة باقية عندما قال‮: “‬إن الإنسان لا‮ ‬يستطيع إلا أن‮ ‬يكون شقيا في‮ ‬ظل الحراب الفرنسية‮” (‬عارنا في‮ ‬الجرائد‮. ‬ص7‮). ‬بل حتى في‮ ‬ظل‮ “‬السعادة الفرنسية‮”.‬

كان ممن هاجر مع الشيخ حمدان ابنه محمد الطاهر،‮ ‬الذي‮ ‬رجع إلى الجزائر بعد وفاة والده في‮ ‬سنة‮ ‬1920،‮ ‬وإذا كنا لا نعرف سبب عودته؛ فإننا نعلم أن فرنسا كانت تضيق بوجود جزائريين في‮ ‬المشرق العربي،‮ ‬وتسعى بشتى الوسائل لإعادتهم لما كانوا‮ ‬يقومون به من فضح لسياستها الصليبية ضد الإسلام واللغة العربية،‮ ‬وفرض الجهل على الجزائريين‮.‬

لا نعرف القيمة العلمية للشيخ محمد الطاهر لونيسي،‮ ‬ولا نعرف إن كان مارس وظيفة من الوظائف عند فرنسا؛ أم كان متأثرا بوجهة نظر والده،‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يوصي‮ ‬تلاميذه‮ – ‬ومنهم ابن باديس‮- “‬ألا‮ ‬يقرأوا العلم للوظيف والرغيف‮”‬،‮ ‬خاصة عند فرنسا‮.‬

يبدو مما سمعناه عنه أنه كان‮ ‬يتمتع بوعي‮ ‬كبير،‮ ‬فقد كان‮ ‬يصرح قائلا‮: “‬خذوا عني‮ ‬الحكم‮”‬،‮ ‬وفعلا فإن في‮ ‬بعض ما سمعناه‮ “‬حكما‮”.‬

كان‮ “‬معرّيّ‮” ‬النزعة،‮ ‬متبرما من الحياة،‮ ‬ساخطا على الناس في‮ ‬سخرية،‮ ‬وهو شبيه في‮ ‬ذلك بالشيخ عبد الحليم بن سماية‮..‬

عندما سعت إنجلترا‮ – ‬معلّمة الشيطان‮ – ‬لتأسيس ما‮ ‬يسمى‮ “‬الجامعة العربية‮” ‬رأى الشيخ محمد الطاهر أن ذلك مؤامرة لضرب‮ “‬مبدإ أكبر وأهم‮” ‬هو‮ “‬الجامعة الإسلامية‮” ‬فكان‮ ‬يمشي‮ ‬ويقول‮: “‬العروبية طوبة مخروبة‮” ‬وكان‮ ‬يقول عند قادة العرب‮ “‬كلهم قرود في‮ ‬يد اليهود‮”.‬

وكان‮ ‬ينعي‮ ‬على الفلسطينيين‮ – ‬والجزائريين عموما‮ – ‬تقصيرهم في‮ ‬حق المشروعات الخيرية‮ – ‬جمعية العلماء‮- ‬ويقول‮: ‬

‮”‬قسنطينة لو حلّ‮ ‬بها زعيم كغاندي‮  .:.  ‬لظل‮ ‬يشكو من الضنك

ولو أن دجّالا أتاها مضللا  .:.  لشاد بها بنكا وبنكا على بنك

ويدو أنه كان من الساخطين على أصحاب المدرسة التقليدية في‮ ‬الأدب،‮ ‬ورمزها مصطفى المنفلوطي،‮ ‬فكان‮ ‬يقول‮: “‬الغرب في‮ ‬السما‮ ‬يسوطي،‮ ‬وفي‮ ‬البحر‮ ‬يفلوطي،‮ ‬وأنتو ما زلتو مع المنفلوطي‮”..‬

وروي‮ ‬أنه اشترى فخذ خروف،‮ ‬ولم‮ ‬يكن جيد التغطية،‮ ‬فأمسكه شرطي،‮ ‬وأخبره أن ذلك‮ “‬خطر‮” ‬على الصحة العامة،‮ ‬فرأى الشيخ امرأة فرنسية‮ “‬لابسة من‮ ‬غير هدوم‮” ‬كما‮ ‬يقول الإخوة المصريون،‮ ‬فأشار إليها الشيخ الطاهر،‮ ‬وقال للشرطي‮: ‬وهذا‮ “‬اللحم‮” ‬أليس خطرا على الصحة؟ فتبسم الشرطي‮ ‬وتركه‮. ‬رحم الله الشيخ الطاهر لونيسي،‮ ‬وكم أضعنا من‮ “‬حكمه‮” ‬ومن حكم‮ ‬غيره،‮ ‬لأننا شعب‮ “‬شفهي‮ ‬الثقافة‮”.‬

مقالات ذات صلة