العالم
الباحث في‮ ‬التصوف زعيم خنشلاوي‮ ‬لـ"الشروق‮":‬

‮”‬داعش‮” ‬أظهرت ضعف الخطاب المسجدي‭ ‬في‮ ‬الوطن العربي

الشروق أونلاين
  • 1990
  • 0
ح.م
زعيم خنشلاوي

‭ ‬يتوقف الباحث والدكتور زعيم خنشلاوي‮ ‬في‮ ‬هذا الحوار عند علاقة التصوف بما‮ ‬يعيشه العالم العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬اليوم والأفق الذي‮ ‬يمنحه التصوف لتجاوز مطبات الخطاب الفقهي‮ ‬وبعض الاتجاهات الدينية التي‮ ‬عملت على إذكاء نار الفرقة والفتنة بين المسلمين،‮ ‬وكذا بعض الاتهامات التي‮ ‬طالت الزوايا الصوفية،‮ ‬خاصة فيما تعلق بعلاقتها بالسياسي‮ ‬والاستعمار الفرنسي‭.‬

إلى أي‮ ‬مدى‮ ‬يمكن أن‮ ‬يشكل الخطاب الصوفي‮ ‬أفقا لمعارضة الخطاب الفقهي،‮ ‬خاصة في‮ ‬ظل ما‮ ‬يشهده العالم العربي‮ ‬اليوم من صعود التيارات المتطرفة؟

الخطاب الصوفي‮ ‬ليس بخطاب معارضة وإنما هو خطاب مصالحة‮ ‬يسعى لإصلاح ذات البين ورصّ‮ ‬صفوف المسلمين والناس أجمعين على أساس قناعته بالأخوة الإنسانية والتي‮ ‬تشكل الأمة المحمدية حلقة من حلقاتها،‮ ‬لكن في‮ ‬ظل انهيار الخطاب الفقهي‮ ‬واختراق الخطاب المسجدي‮ ‬من طرف دعاة الفرقة والعنف والكراهية لسوف‮ ‬يشهد الخطاب الصوفي‮ ‬في‮ ‬السنوات القادمة تألقا منقطع النظير،‮ ‬كون التصوف هو الترياق الأخير الذي‮ ‬ستعالج به جراح الإسلام،‮ ‬والأمل الوحيد لخلاص المسلمين بعد سلسلة الإخفاقات الفكرية والانتحارات الجماعية والحروب الطائفية والثورات الطبقية والنعرات العرقية التي‮ ‬أودت بهم لجهنم في‮ ‬الدنيا قبل الآخرة‮.‬

أُتهم الخطاب الصوفي‮ ‬دائما بكونه خطاب‮ “‬زندقة‮” ‬وإساءة للنص الديني،‮ ‬كباحث في‮ ‬هذا الاتجاه،‮ ‬كيف ترد؟

الصوفية اتهموا بجميع التهم والأباطيل وقدموا لذلك قوافل من الشهداء على طريق الإيمان باستثناء تهمة واحدة لم‮ ‬يتهموا بها على مدار التاريخ وهي‮ ‬تهمة إراقة دماء المسلمين وهذا‮ ‬يكفيهم في‮ ‬صحيفة أعمالهم لتبرئتهم أمام محكمة التاريخ‮.‬

هناك من‮ ‬يتهم اليوم الزوايا والطرق الصوفية بسعيها للاستحواذ على الساحة السياسية وحل محل الأحزاب السياسية؟

الزوايا ليست بحاجة لاستجداء المناصب ولا ترغب أصلا في‮ ‬العمل السياسي،‮ ‬لأن هذا‮ ‬يتنافى مع أخلاقيات التصوف الذي‮ ‬يدعو للزهد في‮ ‬الدنيا والتركيز على التربية الروحية وإصلاح النفس،‮ ‬على النقيض من أبجديات العمل السياسي‮ ‬الذي‮ ‬يقوم على فن المراوغة والكيد والبهتان لبلوغ‮ ‬مآرب شخصية وسلطة وهمية على الصوفي‮ ‬اجتنابها لنيل رضا الله والنجاة بنفسه من الوقوع في‮ ‬إذاية الخلق والتعدي‮ ‬على حقوق الإنسانية‮. ‬فهو‮ ‬يرى في‮ ‬العمل السياسي‮ ‬ـ خصوصا إذا كان ذو صبغة دينية ـ تعدّ‮ ‬صريح على مقام النبوة الذي‮ ‬لا‮ ‬يحق لأحد مهما كان التطاول عليه ونصب نفسه وصيا على المسلمين،‮ ‬فضلا عن تزكيتها وترجيحها والدعوة لها بالمال والجاه ما من شأنه أن‮ ‬يودي‮ ‬بصاحبها إلى عبادة نفسه من دون الله أو إشراكها في‮ ‬ملكه وتدبيره‮. ‬هذا لا‮ ‬يعني‮ ‬أن الزوايا لا تأبه بالعمل السياسي‮ ‬أو أنها تعيش بمعزل عن المجتمع،‮ ‬فمفهوم المواطنة من أقدس المهام والفرائض لدى الفرد الصوفي،‮ ‬فهو دوما حريص على الخدمة‮: ‬خدمة الشعب،‮ ‬خدمة العلَم وخدمة الوطن‮.‬

شيخ المؤرخين المرحوم أبو القاسم سعد الله‮ ‬يقسم الزوايا إلى قسمين‮: ‬الزوايا العثمانية وزوايا العهد الفرنسي‮ ‬التي‮ ‬تباينت في‮ ‬مواقفها من الاستعمار،‮ ‬ما رأيك؟

لا وجود لزوايا عثمانية وأخرى فرنسية،‮ ‬هناك زوايا جزائرية جاهدت على مدار أربعة عشر قرنا دون انقطاع فعاصرت مختلف النظم والسلالات الحاكمة،‮ ‬وذهب الحكام وبقي‮ ‬الصوفية‮. ‬فضلا عن أن الزوايا لم تظهر في‮ ‬الجزائر مع وصول الأتراك حتى نؤرخ لها بهم ولم تختف بذهاب الفرنسيين حتى نربط مصيرها بمصيرهم،‮ ‬بل هي‮ ‬متجذرة في‮ ‬عمق التاريخ القومي‮ ‬الجزائري‮ ‬منذ زمن الرباطات التي‮ ‬كانت تحرس سواحل المسلمين وحدودهم‮. ‬فالزوايا قلاع الإيمان،‮ ‬فما من جزائري‮ ‬إلا وتجده منتسبا لزاوية أو لطريقة ما سلوكا أو وراثة‮.‬

‮”‬داعش‮” ‬برأيك،‮ ‬هل هي‮ ‬ظاهرة سياسية،‮ ‬أم ظاهرة دينية؟

لا هي‮ ‬بظاهرة سياسية ولا هي‮ ‬دينية،‮ ‬بل هي‮ ‬ظاهرة أخلاقية تضع المسلم على محك الضمير الإنساني‮ ‬كي‮ ‬يسائل نفسه عن كيفية تعامله مع إعلان القرآن العظيم‮: {‬وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين‮}. ‬في‮ ‬عالم صارت فيه الكلمة للأشرس والأفظع وانعدمت فيه الرحمة ورفعت السكينة،‮ ‬ماذا عسانا أن نقول أو نفعل سوى الاعتصام بحبل الله أمام ظاهرة ـ نحن عنها جميعا مسؤولون‮.‬

مقالات ذات صلة