”فتنة العامية وشعلة الغضب النبيل”
لاشك أن كل جزائري أصيل قد ابتهج وهو يتابع بكل اعتزاز تأجج تلك الشعلة من الغضب النبيل، التي نفخ فيها كل أولئك الذين هبوا للدفاع عن ثوابتنا والرد على دعاة اعتماد العامية في التدريس، وتفنيد حججهم وفضح فكرهم الشاذ والتبصير بمخاطره..
المضحك المبكي، أوقل الأدهى والأمر أن يكون هؤلاء ممن استؤمنوا على تكوين الجيل الناشئ، وإعداده ليعيش بمنطق الألفية الثالثة التي تهدد فيها العولمة بتذويب الخصوصيات الدينية والثقافية والحضارية، فلم تتفتق عبقرية هؤلاء على وسيلة يحصنون بها هذا الجيل من هذه التحديات سوى مسخ فكره وتسميم وجدانه باقتراح تدريسه بالعامية.
إنني لا أكتب هذه الأسطر لآتي في الرد على هؤلاء بما لم يأت به من “خاضوا” هذه المعركة على اختلاف تخصصاتهم العلمية، فقد كتبت في هذا الركن أقول إن اقتراح هؤلاء هو رغبة في تعميم المسخ الذاتي الذي يمارسونه على أنفسهم، وإنما أردت من خلالها أن أعرض بعض الملاحظات التي أرى أنها جديرة بالتأمل، منها أننا أصبحنا اليوم نألف مثل هذه”الخرجات” بفعل تواليها وتكرارها، ومن الألفة ما قتل .. لأن الألفة تهوّن من الخطر ومن ضرورة مواجهته بما يستوجبه من جد وحزم.
فعلا! إن مثل هذه”المبادرات” الشاذة الغريبة لم تخل منها فترة من فترات حياتنا ولم يسلم منها مجال له علاقة وثيقة بعناصر هويتنا الوطنية ومقومات شخصيتنا الحضارية.
يحدث هذا بعد ثلثي قرن من الزمن يفترض أن تكون مرجعيتنا – بعد هذه العقود- قد ازدادت رسوخا وتجذرا يؤمن بها كل جزائري، يلهج بها لسانه وينبض بها وجدانه.
إن هؤلاء”الشواذ” وأمثالهم ممن يقفون إلى جانبهم أو من ورائهم لن يفلحوا أبدا في محاولاتهم للنيل من ثوابتنا مهما تتعدد أساليبهم وتتنوع حيلهم وحججهم، لكن السؤال الذي يظل قائما وملحا، بعد انهزامهم في كل “معركة” وانسحابهم وخفوت صوتهم إلى حين هو: إن هؤلاء جزائريون تخرجوا من جامعات ومعاهد جزائرية بشهادات عالية في شتى العلوم والمعارف، فما الذي يفسر فكرهم الشاذ المنحرف وجراءتهم مع ذلك على عرضه والدفاع عنه بثقة عجيبة، وخروجهم على إجماع أمتهم واستهانتهم بثوابتها؟!
ما الذي نستخلصه من مثل هذه”الظواهر”؟! وماذا ينبغي فعله لعلاجها، لا بمجرد”مواجهتها” وإنما بالقضاء على أسبابها أصلا واجتثاث بواعثها من الأساس حتى لا تتكرر؟!
إن الدفاع عن ثوابتنا حق وواجب، ولكن ما الذي ينبغي فعله – بموازاة ذلك – لتحصين جيلنا الناشئ من مثل هذا “التفكير الشاذ المنحرف” فلا يضطر جزائريون في المستقبل إلى تبديد طاقتهم في”مجادلة” جزائريين آخرين حول مسلمات وبديهيات، لأنه لن يكون هناك جزائريون “تغريبيون علمانيون فرانكوفيليون مستلبون” وإنما جزائريون وكفى.. جزائريون قوّتهم في تماسكهم وتشبثهم بثوابتهم” الإسلام والعربية والأمازيغية” وتفتحهم بعد ذلك من دون عقدة على لغات العالم وعلومه أن أعرض بعض الملاحظات التي أرى أنها جديرة بالتأمل، منها أننا أصبحنا اليوم نألف مثل هذه”الخرجات” بفعل تواليها وتكرارها، ومن الألفة ما قتل.. لأن الألفة تهون من الخطر ومن ضرورة مواجهته بما يستوجبه من جد وحزم.
فعلا! إن مثل هذه “المبادرات” الشاذة الغريبة لم تخل منها فترة من فترات حياتنا ولم يسلم منها مجال له علاقة وثيقة بعناصر هويتنا الوطنية ومقومات شخصيتنا الحضارية.
يحدث هذا بعد ثلثي قرن من الزمن يفترض أن تكون مرجعيتنا – بعد هذه العقود – قد ازدادت رسوخا وتجذرا يؤمن بها كل جزائري، يلهج بها لسانه وينبض بها وجدانه.
إن هؤلاء “الشواذ” وأمثالهم ممن يقفون إلى جانبهم ومن ورائهم لن يفلحوا أبدا في محاولاتهم للنيل من ثوابتنا مهما تتعدد أساليبهم وتتنوع حيلهم وحججهم، لكن السؤال الذي يظل قائما وملحا، بعد انهزامهم في كل “معركة” وانسحابهم و خفوت صوتهم إلى حين هو: إن هؤلاء جزائريون تخرجوا من جامعات ومعاهد جزائرية بشهدات عالية في شتى العلوم والمعارف، فما الذي يفسر فكرهم الشاذ المنحرف وجراءتهم مع ذلك على عرضه والدفاع عنه بثقة عجيبة وخروجهم على إجماع أمتهم واستهانتهم بثوابتها؟!
ماالذي نستخلصه من مثل هذه “الضواهر”؟! وما الذي ينبغي فعله لعلاجها، لا بمجرد” مواجهتها” وإنما بالقضاء على أسابها أصلا واجتثاثا بواعثها من الأساس حتى لا تتكرر؟!
إن الدفاع عن ثوابتنا حق وواجب، ولكن ماالذي ينبغي فعله - بموازاة ذلك- لتحصين جينا الناشىء من مثل هذا التفكير الشاذ المنحرف فلا يضطر جزائريين آخرين حول مسلمات وبديهيات لأنه لن يكون هناك جزائريون “تغريبيون علمانيون فرانكوفيليون مستلبون” وإنما جزائريون وكفى.. جزائريون قوتهم في تمسكهم وتشبثهم بثوابتهم” الإسلام والعربية والأمازيغية” وتفتحهم بعد ذلك من دون عقدة على لغات العالم وعلومه ومعارفه.
إن معظم هذه الظواهر الشاذة التي يفرزها التفكير المنحرف لبعض الجزائريين، التي نواجهها اليوم، مما له علاقة بعناصر هويتنا يعود إلى سبب واحد تمتد جذوره إلى السنوات الأولى للإستقلال التي شهدت “تمييع” المبادئ التي صاغ منها نوفمبر مشروع المجتمع الجزائري و “تفريغها” من محتواها، وقد تجلى ذلك كله في التناقض القائم بين ما نسطره في دساتيرنا وما نرفعه من شعارات وبين ما نعيشه ونطبقه في الواقع.
إن الهزة العنيفة التي عرفتها منظومة قيمنا الدينية والوطنية بسبب هذا التناقض امتدت شقوقها وتصدعاتها عبر السنين، وكانت لها “هزات ارتدادية” هي التي نشهد بعض انعكاساتها اليوم. والنتيجة الحتمية لذلك كله هو انفتاح المجال أمام ما يسمى”تعدد مصادر التلقي” في مجال المبادئ والقيم، أي تعدد المرجعيات، وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمع هو في أمس الحاجة إلى طاقات جميع أبنائه من أجل النهوض وتحقيق الذات.
فإذا كان قدرنا نحن اليوم أن نواجه هذا الإرث المضطرب وهذا الوضع المهزوز فإن من حق الجيل الناشئ علينا ومن واجبنا نحوه أن نحصنه من ذكل كله ولا يكون ذلك إلا بإحكام صلته بمرجعيته الدينية والثقافية والحضارية، أي بتوحيد “مصدر التلقي” في مجال المبادئ والقيم الخالدة خلود العقيدة التي أثمرتها، وبتعبير آخر نقول إن ذلك يكون بتحقيق ما يعرف اليوم “بالأمن الفكري” الذي يستند إلى هذه المرجعية الواحدة الموحدة التي تتفرع عنها “منظومة قيم” يؤمن بها جميع الجزائريين ويقدسونها، فيعيشون حينئذ ـ بشكل صحي ـ بتعدد النسيج الثقافي والاجتماعي واللغوي كعنصر ثراء وغنى لا كعامل تشتت وفرقة لأنه يكون في إطار هذه الوحدة المقدسة الجامعة. وهذا ما يجعل تحقيق هذا الأمن الفكري مسؤولية جميع مؤسسات المجتمع التي ينبغي أن تجسد هذه المرجعية لكي يحس كل جزائري بأن منظومة قيمه الفكرية والقانونية والأخلاقية التي تنظم علاقاته بمجتمعه ودولته منظومة متماسكة غير مهزوزة ومضطربة كما يشهده واقعنا البائس اليوم.