11 سبتمبر: صناعة الإرهاب من القاعدة إلى داعش!
تمرّ، الجمعة، الذكرى الـ 14 لأحداث 11 سبتمبر التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في وقت مبكّر من صباح الحادي عشر سبتمبر 2001، وخلّفت 2973 ضحية و24 مفقودا، إضافة إلى آلاف الجرحى إثر هجمات عبر أربع طائرات اصطدمت بأهداف محددة وطالت ثلاث منها كان أبرزها التفجير المزدوج الذي مسّ برجي مركز التجارة العالمية.في هذه الورقة، يستعيد “الشروق أون لاين” ما انتاب الـ 14 عاما المنقضية التي تصدرها “صناعة” الإرهاب من القاعدة إلى ما يسمى بـ (داعش).
اللافت أنّ مرحلة ما بعد الحادي عشر سبتمبر، كانت عنوانا كبيرا لما سمته “واشنطن” ومن ساروا في فلكها “الحرب على الإرهاب”، وهي شعاراتية ألقت بظلالها على مسار العلاقات الدولية تحت ضغط أمريكي متنام، وتسارعت الأحداث بقيادة الرئيس الأمريكي آنذاك “جورج دبليو بوش” لتحالف دولي هاجم أفغانستان قبل أن يحتل العراق بذريعة “كبح الإرهاب”.
تسبّبت الحرب على الإرهاب عبر العالم، في قتل 62006 شخصا وحولت 4 . 5 ملايين شخص إلى لاجئين.. وكلفت الولايات المتحدة وحدها ما يزيد عن المبلغ اللازم لقضاء ديون كل الدول الفقيرة بالعالم.
فزّاعة “بن لادن”
في مرحلة أولى، استهدفت الحرب على الإرهاب تنظيم “القاعدة” وقائده “أسامة بن لادن” (10 مارس 1957- 2 ماي 2011)، وصنعت الولايات المتحدة لنفسها “عدوا” آخر طالما بحثت عنه منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، وجرى استظهار “القاعدة” كواجهة “الإسلام الراديكالي” عدو الحضارة والسلام جرى التعاطي معه وفق مفهوم “الحرب الوقائية” الذي ولّدته الإستراتيجية العسكرية الأمريكية.
وحرص أصحاب هذه النظرية من المحافظين المتشددين، على إبراز القاعدة كـ “مشكلة حقيقية” أفرزت الإرهاب في العالم، وهو الأمر الذي انعكس فكريا وثقافيا على صورة المسلمين والعرب ومجتمعاتهم في الولايات المتحدة وبقية دول العالم، بالتزامن، أحكمت الولايات المتحدة قبضتها الاقتصادية والتقنية والثقافية على دول العالم.
وقوّت أفعال القاعدة مبررات أولئك الذين كانوا دوما يعتبرون أن الهدف الأسمى للمجتمعات الحديثة لا يمكنه بعد الآن أن يكون “الحرية” بل “الأمن”، علما أنّ 75 شخصية من كبار العلماء وأساتذة الجامعات، عبّروا عن قناعتهم بأنّ هجمات 11 سبتمبر دبرها بعض تجار الحروب في البيت الأبيض لتبرير غزو واحتلال الدول العربية الغنية بالنفط، وعلّق البروفيسور “ستيفن جونز” أستاذ الفيزياء في جامعة “بريغهام يونغ” إنّ الرواية الرسمية للأحداث أكبر تمويه في التاريخ.
وقال “لا نصدق أن 19 خاطفاً وبعض الآخرين في كهف في أفغانستان فعلوا هذا الشيء وحدهم. إننا نتحدى نظرية المؤامرة الرسمية هذه وسنصل إلى حقيقة ما جرى”.
وشدّد هؤلاء العلماء على أنّ مجموعة من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة تسمي نفسها “مشروع قرن أمريكي جديد”، تسعى إلى السيطرة على العالم، رتبت هجمات 11 سبتمبر لتتخذها ذريعة لضرب العراق وأفغانستان، ويقول العلماء إن الأدلة العلمية عن الهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاغون تعطي براهين ثابتة على أقوالهم.
وذكر “جونز” إنّ برجي التجارة مثلاً كان يستحيل أن ينهار بالشكل الذي حصل بسبب اصطدام طائرتين بهما، وإن وقود الطائرات لا يحترق بدرجة حرارة عالية كافية لإذابة الفولاذ، وإن اندفاعات أفقية من الدخان ظهرت خلال الانهيار تشير إلى تفجيرات معدة سلفاً تحت التحكم استخدمت لهدم الأبراج.
كما لفت العلماء أنّ مركز التجارة العالمي رقم 7 لم يصب إلا بأضرار جزئية، ولكن كان يجب تدميره لأنه كان يحوي مركزاً سرياً لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
توظيف
أبرز باحثون أنّ أحداث الحادي عشر سبتمبر وظفتها الإدارة الأمريكية باسم ما سُمي “مكافحة الإرهاب الدولي”، وتحت ذريعة “الإرهاب والتطرف”، شكّلت تلك الهجمات مبرّرا لتوسيع هيمنتها وسيطرتها على معظم البقع الإستراتيجية، ما تزال لها تبعات كارثية على المنطقة العربية من العراق ولبنان والسودان، وصولا إلى سوريا وليبيا واليمن، علما أنّ تداعيات هجمات الحادي عشر سبتمبر أضرّت بالقضية الفلسطينية، وزادت من التعنّت الإسرائيلي.
والأكيد أنّ ما حصل قبل 14 سنة، وفّر الغطاء للأمريكان وحلفائها في الغرب للانقضاض مجددا على المنطقة العربية عبر محاولة تغيير خارطتها السياسية والاجتماعية والجغرافية من خلال التلويح بمشاريع التقسيم الطائفي والعرقي مثلما حصل في العراق وما أعقب ذلك برسم توليفة “الربيع العربي”.
وحش “تنظيم الدولة”
بُعيد 23 شهرا على إعلان مصرع “أسامة بن لادن” وتقلص دور “القاعدة” لحساب أدوار جديدة مفاجئة لم تكن مرصودة آنذاك في “صخب الإرهاب”، كان أول ظهور لاسم “تنظيم الدولة” (داعش) بتاريخ التاسع أفريل 2013، وجرى في 29 جوان 2014 إعلان قيام (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، ونُصّب “أبو بكر البغدادي” خليفة لهذا التنظيم المتطرّف.
واعتمد (داعش) على وحشية غير مسبوقة ضدّ ضحاياه، في وقت جرى توصيف “داعش” بـ “الممثل الأهم للفوضى الخلاقة التي انطلقت من العراق لتمتدّ إلى سوريا قبل أن تنهش ليبيا، في وقت هدّد (الدواعش) الشهير قبل الماضي بـ”إسقاط حكم حماس” في قطاع غزة النازف، وسوّغوا ذلك بـ”عدم جدية حماس في تطبيق الشريعة”.
ويقول دارسون أنّ (داعش) بمخالبه القاسية، هو منتج إرهابي منفصل عن “القاعدة” بعد أن كان جزءا منها، ثم أضيفت إليه أفكار جديدة إلى أن آل الوضع إلى هذا المزيج الذي يقترب من العصابات المنظمة منه إلى عمل جماعات العنف المسلح الدينية، بينما جزم من هجروا مناطق التوتر، أنّ (داعش) هي محض غطاء وهمي لعصابات وجماعات وكيانات مشبوهة.
ولم يكن “البغدادي” شيئا مذكورا قبل أن تقوم الولايات المتحدة في عام 2013 برصد جائزة بقيمة عشرة ملايين دولار لمن يساهم في قتل أو إيقاف شبح (داعش)، هذه الأخيرة تحولت بشكل مريب وفي زمن قياسي إلى آلة بطش عابرة للحدود.
ولعلّ أكثر ملفات (داعش) غموضا هي تغلغلها في المستنقع السوري وتعملقها سريعا، حيث جرت المحاربة بـ (دولة الرايات السوداء والخلافة النفطية) عبر سلسلة غير محدودة من جرائم قتل واختطاف وإعدامات ميدانية، فضلا عن التنكيل بالمدنيين وتدمير المؤسسات المدنية والعسكرية في سوريا.
ولا يقلّ رأسمال التنظيم الدموي المتمدّد عن الملياري دولار، جرى جمعه بالمنح والتبرعات وبيع النفط الخام، المخدرات وغسيل الأموال والابتزاز والغنائم، وهناك حديث عن ثروة عينية لـ (داعش) من الذهب تقدر بـ430 مليون دولار.
مناورات واشنطن
على منوال إدارة بوش، عرف ملف (داعش) حزمة مناورات أمريكية كان آخرها تشديد الرئيس “باراك أوباما”، على أنّ بلاده لن ترسل أي قوات برية لمحاربة (داعش)، بالتزامن، أكّد حاجة واشنطن إلى شريك فعال في محاربة (داعش) على الأرض، لذا هي تدعم القوات العراقية والمعارضة السورية المعتدلة من أجل القضاء على التنظيم المتطرف .
وقرأ “أوباما” الهجمات الأخيرة التي تبنتها داعش في الكويت ومصر وتونس، على أنّها تؤشر على فعالية (داعش) في تجنيد بعض الأشخاص في عدد كبير من الدول، وشدّد الرئيس الأمريكي على أهمية محاربة التطرف والإيديولوجيات المتشددة في أي مكان، مشيراً إلى أن منع العمليات الإرهابية في أمريكا يتطلب جهداً مستمراً .
واتخّذّ البيت الأبيض من “ملاحقة داعش”، حجّة لإنشاء قاعدة عسكرية في شمال إفريقيا ووضع “طائرات دون طيار” بغرض مراقبة ما يفعله التنظيم الدموي في ليبيا وتونس .
ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” على لسان مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية، فإنّ الولايات المتحدة أجرت مباحثات مع دول في شمال إفريقيا لوضع طائرات بلا طيار في قاعدة هناك لتعزيز مراقبة “تنظيم الدولة “.
وقدّر المسؤول ذاته – لم يُذكر اسمه – إنّ مثل هذه القاعدة قرب معاقل التنظيم المذكور في ليبيا ستساعد الولايات المتحدة على سد النقص في فهم ما يجري في تلك المنطقة، مضيفا: “طلعات الطائرات ستعطي الجيش ووكالات المخابرات الأمريكية معلومات مباشرة عن أنشطة التنظيم في ليبيا “.
وامتنع مسؤولو البيت الأبيض عن تحديد الدول التي يمكن أن تستضيف الطائرات الأمريكية، وتصوروا إنّ الطائرات بلا طيار التي يُفترض أن تنطلق من القاعدة المقترحة يمكن أن تستخدم أيضا في شن غارات جوية على أهداف تنظيم داعش في ليبيا وأن هذه القاعدة يمكن أن تكون أيضا نقطة انطلاق لعمليات خاصة ضد المتشددين .
المثير، أنّه بتاريخ الثامن جويلية الماضي، أحرج أوباما إدارته في البيت الأبيض حين قال في كلمة للصحفيين إنهم يسرعون بتدريب قوات تنظيم “داعش” في العراق.
وقال أوباما في كلمته حول الجهود المبذولة ضد تنظيم داعش:”مع الخطوات الإضافية التي أمرت بها في الشهر الماضي، فإننا نسرع من تدريب قوات داعش بما في ذلك المتطوعون من العشائر السنية في محافظة الأنبار”.
وصحح الموقع الرسمي للبيت الأبيض بيان أوباما المنشور على الانترنت، مؤكدا أنّ أوباما كان يقصد تدريب القوات “العراقية” وليس “داعش“.
وكانت تلك المرة الأولى، التي يصحح فيها البيت الأبيض كلمة لأوباما، خاصة أن الرئيس الأمريكي لم ينتبه أو يتدارك خطأه بل أكمل حديثه بشكل طبيعي.
خرجة الظواهري
شهدت الساعات الأخيرة، إشهار “أيمن الظواهري” زعيم تنظيم القاعدة، رفضه الاعتراف بشرعية تنظيم الدولة الإسلامية وزعيمها أبو بكر البغدادي، وقال في تسجيل صوتي: “لا نعترف بهذه الخلافة ولا نراها خلافة على منهاج النبوة، بل هي إمارة استيلاء بلا شورى ولا يلزم المسلمين مبايعتها ولا نرى أبا بكر البغدادي أهلا للخلافة، ومن زعمهم إقامة الخلافة.”