الرأي

11/12/60

عمار يزلي
  • 400
  • 0

لم يكن هذا اليوم الـ11، واليوم الذي سبقه، من شهر ديسمبر 1960، يوما كباقي الأيام في عمر الثورة الجزائرية، لأنه كان يوما لميلاد أمّة جديدة أمام العالم، بعدما بقيت لخمس سنوات خلت، مجرد “حرب” و”إخمادا لتمرُّد”، عبر الدعاية السياسية الفرنسية وإعلامها “المستقل”.

يمثل 11 ديسمبر والمظاهرات التي خرجت من بلكور لتعمّ باقي أرجاء الوطن، ميلاد أمة ودولة في طور التجسيد القانوني والشعبي، بعدما جرى الاعتراف بها من طرف أكثر من دولة عربية وإسلامية وعالمية. ميلاد، عبر تدويل أممي لقضية كانت فرنسا الاستعمارية تروج لها على أنها “قضية داخلية”، لا تتعدى قضية “حفظ الأمن” و”محاربة الخارجين عن القانون” أو “الفلاقة” وعمليات “تهدئة” بتعبير إعلامها السياسي والعسكري، تماما كما تنعت اليوم قوى الاحتلال المعاصرة شعوبًا بأكملها تطالب بحق تقرير مصيرها من المستعمِر، بـ”الإرهابيين”، أو “المخرِّبين”، كما هو الشأن في فلسطين المحتلة في الضفة وغزة.

مظاهرات 11 ديسمبر 1960، أماطت اللثام عن الحقيقة المخفية أمام الصحافة العالمية عن قضية وطن وشعب يريد الاستقلال، ويطالب بحقه في العدالة والمساوة والاعتراف بهويته السياسية والثقافية عبر عناوين رُفعت في هذا المظاهرات: الجزائر جزائرية، خلافا لعنوان المستعمِر “الجزائر فرنسية”، و”جبهة التحرير الوطني”، ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الجزائري، والجيش هو جيش التحرير الوطني.

كان هذا التاريخ منعرجا تاريخيا للقضية الجزائرية، التي أسهمت فيها عدة عناصر ومنها الدبلوماسية الجزائرية في الولايات المتحدة، القوة الجديدة التي بدأت تهيمن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. دبلوماسية عرَّفت بالجزائر وثورتها ومنهجها ونهجها التحريري بعيدا عن التوجهات “الشيوعية” التي كانت تروِّج لها بعض الأطراف للإنقاص من وزن الثورة ووسمها وهي في المهد. كان التيار الصهيوني في فرنسا، التي ساعدت على بناء القوة النووية للكيان من الجزائر، هي من روَّج لهذا التوجُّه في الولايات المتحدة، طمعا في إبعاد الولايات المتحدة عن دعم القضية الجزائرية. لم تفلح هذه المناورات وهذه الدسائس وتمكنت الدبلوماسية الجزائرية والعمل السري والعلني للبعثة في شكل لوبي جزائري متعدد الأوجه، أوصل القضية إلى حد التعاطف في الولايات المتحدة وكثير من الدول المحبة للسلام وقتها مع القضية الجزائرية ونهج تصفية الاستعمار، بشكل جعل الولايات المتحدة تضغط على ديغول لقبول التفاوض مع جبهة التحرير الوطني باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للثورة الجزائرية، وقد لعب الرئيس كنيدي دورا كبيرا في هذا الصدد. كل هذا كان بفعل الهبَّة الشعبية التي جمعت كل أطياف الشعب من طلبة وعمال وشباب ونساء في كل الأعمار.

زيارة ديغول للجزائر بدءًا من عين تموشنت، وهي الزيارة التي كان يُتوقع أن تكون لها تداعيات غير التداعيات التي آلت إليها في ما بعد، كانت زيارة مفجِّرة للمطالب بالاستقلال، ما جعل ديغول يتحدث لأول مرة عن “الجزائر جزائرية”، لكن ليس بالتصوُّر نفسه الذي كان يلهم المتظاهرين. كان يحلم ويرغب ويعمل على ترسيخ “الاندماج” وليس الاستقلال، لكن هذا الحلم تبخَّر بعد هذا التاريخ: صار العالم ومن خلال القوة الإعلامية والترسانة التي حضرت معه من فرنسا ومن باقي دول العالم والولايات المتحدة، لتمرير خطة الجزائر الاندماجية، صار العالم يعرف معرفة اليقين من خلال معرفة الحقيقة من أرض الواقع، أن هناك شعبًا يطالب بالاستقلال وحقه في تقرير المصير والأمر بدا واضحا للعالم عبر ما نُشر وقتها أن جبهة التحرير كانت فعلا الممثل الشرعي والوحيد للشعب المتظاهر في كل مكان، وكان على فرنسا أن تذعن وتخضع وتعترف بأنه لا محل لها من الاحتلال.

مقالات ذات صلة