15 يوما.. بصرامة الالتزام يصنع الأمل
إلزام الحكومة الجزائرية نفسها بأن تنتهي من تعويض المتضررين من الحرائق التي مست بعض الولايات الوسطى والشرقية للبلاد في أجل لا يتعدى يوم 15 سبتمبر الجاري طبقا لتعليمات السيد رئيس الجمهورية، يُعد تعبيرا واضحا من الحكومة على أنها ستتكيف بسرعة مع ما نتج عن الخسائر الكبيرة التي خلّفتها الحرائق غير المسبوقة والأضرار الجسيمة الناتجة عنها.
خاصة وأن بيان الوزارة الأولى ذكر أن التعويضات ستشمل كل شيء (المساكن والأثاث والأجهزة الكهرومنزلية، المزروعات، الأشجار المثمرة، خلايا النحل، الماشية من الأغنام والماعز والأبقار، الدواجن، وغيرها) بل إن الوزير الأول أشار إلى أن أقل شيء أُتلف، ولو مسمار واحد، سوف يعوّض، وأنه ينبغي فوق ذلك “الابتعاد عن كل مظاهر البيروقراطية، لاسيما عند إعادة تكوين الوثائق والملفات الإدارية المتلفة”.
لا يوجد أكثر وضوحا من هذا. وإذا أضفنا لهذا الالتزام الحكومي الهبّة الشعبية العالية التي تشكلت غداة اندلاع الحرائق، تكون جميع عناصر نجاح العملية قد اكتملت: الإرادة السياسية العليا، التزام الحكومة الواضح والسند الشعبي الذي تجاوز كل التصورات. وهي فرصة نادرة نتجت عن أزمة غير مسبوقة ينبغي تحويلها إلى منطلق لأداء نوعي للحكومة بعيدا عن سلبيات المرحلة السابقة يعيد الأمل للناس. بمعنى أنه ينبغي التزام جميع مستويات التنفيذ بالأجل المحدد وبالأهداف المسطّرة مع الأخذ بعين الاعتبار كافة ما يُمكن أن يبرز من صعوبات طارئة أثناء التنفيذ.
وهنا ستبدو قوة الدولة في مجال التكيّف وليس فقط قوة الحكومة. صحيح نحن دوما نشير إلى أن الاستباق ينبغي أن يكون سيد الموقف لأنه يمكّننا من ربح الوقت والمال والجهد ويقلّل الخسائر، ولكن وقد حدثت الأزمة، يصبح حلها أولوية قبل أي حديث آخر. والقدرة على حلها في زمن قصير هي التي تعرفنا على مدى فعالية الحكومة وقدرتها على التكيّف.
ونحن الآن أمام متغيرات واضحة تم تحديدها من قبل الوزير الأول وأمام مدى زمني أيضا محدد يبقى علينا فقط متابعة صرامة تحقيق هذه الأهداف ضمن هذا المدى الزمني المحدّد، لنعرف درجة كفاءة الأداء وفق معادلة قياس التكيّف الهيكلي مع الزمن وحسب درجة الاستقرار المعروفة (معادلة أ.د وليد عبد الحي المستمدة من أدبيات المرونة النظامية لـسي. إس. هولينج) حيث يتم خلالها حساب نسبة التحقق (ميكانيزم التكيّف) بقسمة مجموع الأهداف المنجزة على الأهداف المسطرة خلال المدة الزمنية المحدّدة (15 يوماً)، وضرب الناتج في 100.
ومادامت المتغيرات قد حدّدت بوضوح (15 متغيرا) في مجالات (تغطية التعويضات والتكفل الاجتماعي، استعادة الخدمات الأساسية، المسائل الإدارية). فإنه يمكن لمصالح الوزير الأول متابعة تنفيذها على أرض الواقع يوما بيوم. وهي أمام تحدّ كبير، من شأنه أن يعيد الأمل للناس في ظرف وجيز.
بكل تأكيد، تبقى هناك متغيرات لا يمكن معالجتها في مثل هذا الزمن القصير، ذلك أن بعضها يحتاج لأشهر (البناء، الترميم) وآخر لسنوات مثل إعادة إحياء الغطاء النباتي، ناهيك عن جرح فقدان الأحبة الذي يبقى غائرا في النفوس لعقود من الزمن، ولكن الالتزام الصارم بهذه البداية الواعدة سيكون هو المؤشر على باقي الالتزامات. ومادامت الوزارة الأولى قد أعلنت بوضوح الأهداف الفورية التي ستُحققها، ننتظر إعلانها قريبا عن الأهداف التي تقع في الزمن المباشر (دون السنتين) والقريب (دون الخمس سنوات) ثم المتوسط والبعيد، لنكون هكذا أمام سلطة تنفيذية لديها خارطة طريق واضحة المعالم قابلة للرقابة والمتابعة والتحسين المستمر من شأنها ليس فقط تعزيز الثقة في أداء الحكومة، بل الرفع من ميكانيزم التكيّف لدى الدولة بكافة مؤسساتها بما يعنيه من قوة استقرار وتقدم نحلم به جميعا…