170 ألف مسلم فرنسي يشاركون في ملتقى حول رحمة الرسول
كانت الدورة الـ32 للملتقى السنوي لمسلمي فرنسا التي نظمت بين 3 و6 أفريل الجاري، تقليدية كما جرت العادة بحضور نفس الوجوه الفكرية والدينية المعروفة التي أصبحت غير قادرة أكثر من أي وقت مضى على تغيير الصورة السلبية الرائجة في فرنسا عن الإسلام في ظل تعاظم تداعيات الهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو” في 7 جانفي الفارط، وتوظيف الإسلام كفزاعة دائمة في المعارك السياسوية الفرنسية على غرار ما حدث مؤخرا خلال الانتخابات الإقليمية.
خطورة سياق تداعيات أحداث باريس الإرهابية التي تمت باسم الإسلام أيضا هي التي جعلت مسؤولي اتحاد المنظمات الإسلامية الذي يرأسه عمار الأصفر يختارون شعار”محمد صلى الله عليه وسلم رسول الرحمة والسلام” للرد بصفة مباشرة على الفرنسيين الذين مازالوا تحت وطأة حدث مرعب ترك النخبة الإعلامية والفكرية تتحدث عن حرب إسلامية ضد فرنسا، علما أن مرتكبي العملية الإرهابية فرنسيون.
الملتقى الذي نظم من الثالث حتى السادس من الشهر الجاري وقصده حوالي 170 ألف زائر من فرنسا وأوروبا، اتخذ التعريف بحقيقة الرسول صلى الله عليه وسلم منطلقا تكتيكيا بهدف تقديم فكر نيّر وعميق ومسالم من شأنه تذليل وتجاوز القولبة الإيديولوجية لدين محسوب على العنف والحرب والإقصاء في بلاد أضحى معظم مواطنيه طرشانا لفكر إسلامي نيّر أصبح لا يجدي في زمن “داعش” الموظفة لاستمرار حكام طغاة باسم محاربة الإرهاب، ومنهم السيسي الذي فضحته “جمعية الأمل” المصرية التي صنعت الحدث في الملتقى بفرقتها الغنائية الإسلامية وغير الإرهابية و”جمعية التضامن مع الشعب السوري” التي راحت تجمع المال لضحايا بشار مثلها مثل الفرقة المصرية.
المحاور الفكرية التي سطرها مسؤولو الملتقى كانت في غاية الأهمية، وبلورتها بشكل محكم منهجيا أكدت الحاجة إلى التبرير والمقاومة والتعريف المدرسي بالدين المجهول في فرنسا الأنوار، وتمثلت هذه المحاور في التأكيد على أن الرحمة والسلام هما صلب رسالة الإسلام، وفي هدم أصنام الأفكار المسبقة عن الإسلام بالشكل الذي يبطل مفعول المغرضين الذين يدّعون أنه يتناقض مع العيش المشترك مع غير المسلمين.
وبما أن الدورة الجديدة للملتقى قد جاءت لأول مرة عقب حدث إجرامي غير مسبوق ارتكب باسم الإسلام، وعمّق الشرخ بين الجالية المسلمة وغير المسلمين من الفرنسيين وغيرهم من الملل الدينية والإيديولوجية الأخرى، كان لابد من تصور محور ثالث يكشف عن مفهوم الراديكالية الدينية المعبرة عن جهل ثقافة الرحمة والسلام المتجذرة في الإسلام، وحتى يتمكن أهل الملتقى من مقاومة أهل التشكيك في صحة محاورهم المذكورة، كان لابد من محاربتهم سلميا في ملعبهم الفكري التليد والعتيد، ألا وهو ملعب العلمانية التي أضحت راديكالية هي الأخرى حينما يتعلق الأمر بالإسلام، وذلك من خلال خطاب توسيع مفهومها على النحو الذي تصبح مرادفة لتسلط عقائدي استثنائي حيال دين معين، وهذا ما ندد به الكاتب والمحلل السياسي والصحفي الشهير إدوي بلينال في مداخلته التي كانت إحدى المنارات الفكرية في الملتقى، هذه المحاور تجسدت عمليا في محاضرات احتضنتها خيمة لم تسع للجمهور الغفير.
مناراتٌ فكرية حقيقية
قضايا وإشكاليات أخرى عالجها الملتقى وكانت في غاية الأهمية وشكلت منارات فكرية حقيقية على أيدي عدد من المفكرين خلافا لمحطات المسؤولين التي طغى عليها الخطاب التقليدي العامّ وغير الجديد، ومن بين الأسماء التي شكلت الخصوصية الفكرية والإضافة النوعية نذكر فرنسوا بروقا (فرنسا في مواجهة متغيّرات العالم العربي والإسلامي) وغالب بن شيخ (إنسانية الرسول) وعبد الرزاق قسوم والعربي كشاط وطارق رمضان وكريستوف اوبرلان وعمر عبد الكافي والان غريش.. وتناول هؤلاء في مداخلاتهم عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم من منظور الرسالة التي جاء بها والأعمال والإنجازات التي قام بها والأخلاق التي جسدها والتطبيق الذكي للسنة النبوية، والراديكالية الدينية ومدى خطورة الإسلام على فرنسا من منظور الأفكار المسبقة وفرنسا بين مسلميها وسياستها الخارجية ومفاهيم الجهاد والإرهاب والراديكالية ومعايير الفهم الصحيح للإسلام، فضلا عن الحضور الإسلامي في الغرب والإسلاموفوبيا وجوانب أخرى من سيرة وخصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن الضيوف الجزائريين الذين لفتوا الانتباه بحضورهم على مدار أيام الملتقى الأستاذ والشيخ أبو جرة سلطاني، وقال سلطاني الذي يحضر ملتقى اتحاد المنظمات الإسلامية منذ عام 1988 كمحاضر أو كضيف شرف، إن طبعة الدورة الثانية والثلاثين خاصة جدا ومهمة على أكثر من صعيد بحكم السياق الفرنسي الذي عرف حدثا زاد من الأفكار المسبقة المحيطة بالإسلام، وما اختيار الاتحاد شعار “محمد صلى الله عليه وسلم رسول الرحمة والسلام”، إلا دليل وعي بأهمية الرد على الذين يربطون بين الإسلام والإرهاب تحت وطأة الجهل.
وعن سؤال حول مدى قدرة التظاهرة على محاربة الأفكار المسبقة عن الإسلام في جو سياسي عالمي يوظف فيه الإسلام من أجل أهداف سياسية ومكيافيلية تحديدا؟ قال سلطاني إن حضور شخصيات فرنسية وأجنبية قوية فكريا وغير منحازة للخطاب السياسي المغرض من شأنها أن تؤثر في الرأي العام الشعبي وأن تنقل صورة حقيقية عن الإسلام كما عايشوه بين المسلمين المثقفين وغير المتطرفين، كما يروّج إعلاميا اليوم، علما أن التطرف الديني ليس خاصية إسلامية عامة وهو يمثل حالة شاذة لا يقاس عليها، وأضاف سلطاني مثمنا تظاهرة ملتقى مسلمي فرنسا بقوله إنها لا تغير من واقع التوظيف السياسوي للإسلام في فرنسا، كما أكدت ذلك نتائج الانتخابات الأخيرة التي أعادت إلى الواجهة المتطرفين من الأحزاب السياسية الفرنسية، لكنها تسمح بإيصال صورة مشرقة عن الإسلام والتظاهرة التي يحضرها 170 ألف مسلم من كافة أنحاء فرنسا وأوروبا وتتداولها وسائل الإعلام العالمية، من شأنها أن تغير من وطأة التشكيك في المسلمين، خاصة وأن نسبة كبيرة من الزوار هم من أبناء فرنسا.